المناهج التعليمية في زمن الحرب (ضرورة التكيّف لمصلحة المتربي)
لا شك أنّ الواقع التربوي والتعليمي يتأثر في زمن الحرب بشكل كبير، وفي هذا السياق تتأثر المدرسة (المؤسسة التربوية) وتطبيق المنهج التعليمي في زمن الحرب من حيث شروط التعلم وإمكانية التعليم وعدم التمكن من التعليم الحضوري، كما تتأثر عدة أمور تربوية منها الوقت المخصص للتعليم، توفر إمكانات التعليم عن بعد ، والحالة النفسية للمربي والمتربي ، والقدرة على المتابعة والتركيز، والشعور بالقلق والاضطراب وعدم الأمن، وتراجع أولوية التعلم والتعليم أمام أولوية الطمأنينة وغريزة البقاء والحفاظ على النفس ... من هنا كان لا بد للمناهج التعليمية من التكيف مع هذا الواقع الجديد والاستثنائي والذي يشكل تحديا للمؤسسة التربوية والمعلم والمتعلم، وقد يتحول هذا التحدي إلى فرصة في حال وجدت قدرة للمناهج التعليمية على التكيف والتأقلم مع الواقع الذي تفرضه الحرب... وهذا يحتاج إلى تخطيط مسبق ومرونة في المنهج قابلة للتطبيق في الظروف الاستثنائية، خاصة في بلد يعيش وضعا استثنائيا وأزمات متتالية بسبب الحروب.
لا بد للمتخصصين في المناهج ومصممي المناهج التعليمية من العمل على مراعاة الظروف الاستثنائية قبل حدوثها وعدم العمل بشكل فجائي وبدون تخطيط مسبق ومراعاة وضع البلد الذي يعيش فيه المتعلم والظروف التي يمرّ بها، والامكانيات التي يمكن ايجادها للعملية التعليمية التعلمية.
لذلك يجب التركيز عند تخطيط المناهج وتصميمها على عدة أمور لتكييف المنهج في الحالات الاستثنائية لا سيما في زمن الحرب:
1- الانطلاق من فلسفة تربوية (إسلامية اصيلة) وثقافة مجتمع المدرسة بحيث تعبر عن واقع المجتمع وثقافته ، والعمل على ملاءمة الأهداف المنشودة مع متطلباتها، مما يجعل المنهج اصيلا وغير مفروض على المدرسة من جهات خارجية وبعيداً عن التغريب والعلمنة وقريبا للواقع وقادرا على التأقلم مع الظروف المتغيرة لبيئة العملية التعلمية التعليمية.
2- اختيار المنهج التعليمي الملائم لثقافة المجتمع الاصيلة والذي يراعي حاجات المتعلم والذي يسعى إلى تربيته وبناء فكره ومهاراته وقيمه، حتى يمكنه من تطوير ثقافته والتفاعل معها ومع التحديات التي تواجهه في فترة الأزمات والحروب.
3- إنّ تأسيس المنهج على المدرسة (المؤسسة التعليمية) يقتضي تصميم المنهج على أساس وجود عدوّ غاصب في منطقتنا يسعى للاعتداء دائما وافتعال الحروب والقتل والتدمير والترهيب... مما يستدعي الأخذ بعين الاعتبار هذه المعارف في المنهج والتركيز على قيم ومفاهيم لها علاقة بالارتباط بالله سبحانه وتعالى والقرب منه وأداء التكليف والارتباط بالنبي ص وأهل بيته ع وقيم الحق والعدالة والتضحية والصمود والمقاومة والكرامة الإنسانية... وكل ما يحتاجه المتعلم لكي يقدر على التأقلم مع الواقع الخارجي والتكيف معه وفهم محيطه وثقافته بدلا من الغرق في مفاهيم مثالية، لا واقعية لها أو شعارات غير قابلة للتطبيق كما في من المناهج المستوردة من الخارج والتي لا تلائم ولا تتوافق مع واقعنا التربوي والثقافي.
4- لا بد من تعديل المناهج في زمن الحرب بشكل علمي وممنهج وغير عشوائي، من خلال معرفة احتياجات المتعلمين وظروفهم ليبقوا قادرين على الفهم، والتوازن، والاستمرار. ومعرفة امكانيات المؤسسة التعليمية في زمن الحرب، وقدرات المعلمين والمتعلمين وتحديد الأولويات التربوية التي تراعي الظروف الاستثنائية للحرب. مما يستدعي عدة إجراءات منها:
5- لا بد من مراعاة المناهج في الحرب للسلامة النفسية للمتعلم والطمأنينة والدعم النفسي عند الحاجة، والتركيز على الأخلاق والقيم الإسلامية الإنسانية كالرحمة وتيسير العملية التعليمية التعلمية والصبر والكرامة الإنسانية والأمل والتكافل وتحمل المسؤولية.
لا يمكن للمنهج الدراسي في زمن الحرب أن يبقى محايدًا تجاه الواقع الذي يعيشه المتعلم، من خطر الموت وتدمير البيوت وتجربة النزوح وغياب الأمن والاستقرار واضطراب الحياة اليومية وانعدام الروتين اليومي الذي تعود عليه. لذلك، يصبح تكييف المناهج ضرورة تربوية تهدف إلى جعل المعرفة أكثر اتصالًا بحياة المتعلم، وأكثر قدرة على مساعدته في فهم الواقع والتأقلم معه، من غير أن يتحول التعليم إلى إعادة إنتاج للخوف أو زيادة في الضغط النفسي للمتعلم. إنّ تكييف المنهج يستدعي إعادة بناء المحتوى والأنشطة التعليمية التعليمة والتقويم بحيث تستجيب لحاجاته الفعلية: حاجته إلى الأمان ، والروتين، والتعبير، والانتماء والطمأنينة.
إنّ الإسلام يعتبر البلاء والحرب جزءا من العملية التربوية للإنسان وعلاقته بالله تعالى مما يساعد على تكامل المتربي وتفتح ملكاته واستعداداته لذلك تعتبر أجواء الحرب والنزوح فرصة للمتربي ليتقرب إلى الله تعالى ويفهم أكثر الهدف من خلقه وما هي مسؤوليته في هذه الحياة مما يساعده على فهم حقيقة الايمان وكيفية تكامله فعن رسـول اللّه (ص ) : لا يكمل عبد الايمان باللّه حتى يكون فيه خمس خصال : التوكل على اللّه ,والـتفويض الى اللّه , والتسليم لأمر اللّه , والرضا بقضاء اللّه , والصبر على بلاء اللّه . انّه من احب في اللّه , وابغض في اللّه , واعطى للّه , ومنع للّه , فقد استكمل الايمان . (بحار الانوار، ج 77، ص 177)
والفلاح والفوز والوصول إلى الغايات التي يريدها الله تعالى يرجع إلى الثبات والصبر وتحمل المصاعب والمشقات قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اصْبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ وَاتَّقُواْ اللّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (آل عمران، 220) وقال سبحانه وتعالى :﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوفْ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الأَمَوَالِ وَالأنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾ (البقرة، 155).
فكلما كان المنهج أداة للتأقلم والصمود لدى المتربي من خلال مساعدته على فهم واقعه وتكليفه وارتباطه بالله تعالى وتعاليمه والمحافظة القيم والأخلاق، كلما تحولت العملية التعليمية التعلمية إلى عملية تربوية بحسب الرؤية التربوية الإسلامية (وليست عملية تعليمية فقط)، من خلال إعادة تنظيم المنهج بما يحفظ كرامة المتعلّم، ويستجيب لحاجاته الايمانية والنفسية والمعرفية والمعنوية...
المصادر :
1- القرآن الكريم .
2- محمد باقر المجلسي، بحار الأنوار، ج 77، ص 177.
3- هاشم عواضة، بناء المناهج التعليمية وتقويمها.
تعليقات