Cancel Preloader
دراسات ومقالات المركز

التربية في أوقات الأزمات: خارطة طريق للأهل لتعزيز التحصيل الدراسي في لبنان ما بعد العدوان

التربية في أوقات الأزمات: خارطة طريق للأهل لتعزيز التحصيل الدراسي في لبنان ما بعد العدوان

مقدمة

تتخذ العودة إلى المسار التعليمي في لبنان، في ظلّ العدوان الإسرائيلي، أبعاداً استثنائية تتجاوز التحديات التربوية المعتادة؛ إذ يواجه المجتمع التعليمي واقعاً مأزوماً يتسم بدمار واسع في البنية التحتية المدرسية، ونزوح سكاني قسري أدى إلى تحول بعض المؤسسات التربوية إلى مراكز للإيواء. وفي ظل هذا المشهد، تبرز فجوة تعليمية حادة بين مدارس تمكنت من تفعيل "التعلم عن بُعد" بحدوده الدنيا، وبين مدارس واجهت انقطاعاً كلياً شمل فقدان الأجهزة الإلكترونية والكتب المدرسية تحت الأنقاض. إن هذه المرحلة من الهدنة تفرض على الأهل في لبنان دوراً محورياً كشركاء في "التربية الصامدة"، وهي مقاربة تتطلب تكييف استراتيجيات التحصيل الدراسي مع واقع انقطاع التيار الكهربائي وضعف شبكات الاتصال، مع إيلاء الأولوية المطلقة للتعافي النفسي من آثار القصف والترهيب، كشرط استباقي لاستعادة القدرة على التعلم في بيئة مثقلة بتحديات النزوح والفاقد التعليمي المتراكم.

المحور الأول: استعادة الاستقرار النفسي كركيزة للجاهزية المعرفية

لا يمكن مقاربة قضية التحصيل الدراسي في أعقاب العدوان الإسرائيلي على لبنان بمعزل عن الصدمة النفسية التي عايشها المتعلمون؛ إذ إن استئناف العملية التعليمية يتطلب أولاً ترميم البناء الانفعالي الذي تزعزع بفعل القصف والنزوح القسري. إن الأولوية التربوية للأهل في هذه المرحلة الانتقالية تكمن في خفض مستويات التوتر الأكاديمي، وإدراك أن تراجع القدرة على التركيز أو التذكر هو رد فعل طبيعي للجهاز العصبي تجاه التهديد المستمر.

لذا، ينبغي للأهل اعتماد استراتيجية "التعافي بالروتين"، من خلال خلق جدول يومي مرن يعيد للأبناء شعورهم بالسيطرة على واقعهم، مع تخصيص مساحات آمنة للتعبير عن المخاوف المرتبطة بالحرب. إن التركيز على الدعم النفسي-الاجتماعي وتفهم حالات التشتت الذهني يعد شرطاً هاماً قبل البدء بضخ أي محتوى تعليمي؛ فالعقل الواقع تحت وطأة الضغط النفسي يعجز عن ممارسة وظائفه الإدراكية العليا، مما يجعل من الاستقرار العاطفي الجسر الأساسي والوحيد نحو استعادة المسار الأكاديمي المتعثر.

 

المحور الثاني: آليات الاستمرارية التعليمية ومواجهة تفاوت الإمكانيات اللوجستية

يفرض الواقع تبايناً حاداً في القدرة على الوصول إلى مصادر التعلم، مما يستوجب تبني مقاربات تربوية مرنة تستجيب لظروف كل أسرة على حدة، سواء تلك التي تمكنت من الحفاظ على مواردها التعليمية أو تلك التي فقدتها بالكامل.

  • للأسر التي تتوفر لديها الأجهزة والكتب: يتمثل الدور المحوري للأهل هنا في تنظيم "البيئة التعليمية الهجينة"، من خلال الموازنة بين مخرجات التعلم عن بُعد وبين التفاعل الورقي المباشر. يُنصح الأهل بالإشراف على جدولة زمنية تقي الأبناء من الإنهاك الرقمي، مع التركيز على جودة الاستيعاب لا كمية إنجاز الفروض. كما ينبغي تحفيز الأبناء على استخدام الكتب كمرجع أساسي لتعميق الفهم بعيداً عن تشتت الشاشات، مما يضمن استدامة التركيز الذهني في ظل ظروف غير مستقرة.
  • للأسر التي تفتقر للموارد الرقمية والورقية: تنتقل الاستراتيجية هنا نحو "التعلم السياقي" الذي يعتمد على استثمار البيئة المحيطة كمصدر للمعرفة. يمكن للأهل تعويض غياب المنهاج الرسمي عبر تفعيل الحوارات المعرفية التي تنمي مهارات التحليل والربط المنطقي، واستخدام الأنشطة الحياتية لترسيخ العمليات الحسابية واللغوية. إن الهدف هو الحفاظ على "اليقظة الذهنية" للطالب ومنع الجمود المعرفي، من خلال تشجيع الأبناء على قراءة المحيط، وتبادل المعارف شفهياً، واستثمار القصص والتجارب اليومية لبناء حصيلة لغوية وفكرية، مؤكدين بذلك أن التعلم هو فعل مرونة وتكيف وليس مرتبطاً حصراً بالوسيط المادي.

إن دمج هذه المسارات يهدف في جوهره إلى تقليص الفجوة التعليمية، وضمان الحد الأدنى من التراكم المعرفي لجميع المتعلمين بقطع النظر عن إمكانياتهم المادية.

 

المحور الثالث: جَسر الفجوة الأكاديمية عبر التنظيم الذاتي والتعاون المجتمعي

يواجه الواقع التربوي اللبناني حالياً انقساماً في أنماط التدريس بين مدارس اعتمدت التعليم الافتراضي وأخرى توقفت قسراً، مما يضع الأهل أمام مسؤولية إدارة التفاوت في التحصيل الدراسي ومنع اتساع الفجوة المعرفية بين الأبناء. يتطلب هذا الواقع تحولاً في العقلية التربوية للأهل نحو تعزيز "الاستقلالية التعليمية" لدى المتعلم، بحيث لا يظل ارتقاؤه المعرفي رهناً بفتح المدرسة أبوابها أو استقرار شبكة الإنترنت.

تستند هذه الاستراتيجية إلى تفعيل المبادرات التشاركية داخل المحيط الاجتماعي المباشر، مثل تبادل الكتب المدرسية بين الأسر التي نزحت وتلك التي بقيت، أو تنظيم جلسات مراجعة مصغرة يشرف عليها الطلاب الأكبر سناً لمساعدة الأطفال الأصغر في المهارات الأساسية (القراءة، الكتابة، والحساب)، أو مبادرة المعلمين والمعلمات المتواجدين في مراكز الإيواء ومناطق النزوح إلى تنظيم دروس للتلاميذ في محيطهم. وفي الوقت نفسه، ينبغي للأهل تدريب أبنائهم على تقنيات "التنظيم الذاتي"، عبر تحديد أهداف دراسية يومية بسيطة وقابلة للتحقيق، مما ينمي لديهم الشعور بالإنجاز رغم الأزمة. إن تفعيل هذه الآليات التعاونية والذاتية لا يضمن فقط استمرارية الحد الأدنى من التعلم، بل يسهم في بناء جيل قادر على إدارة تعلمه في ظروف غياب المؤسسة التعليمية، مما يقلل من حدة الهدر التربوي الناجم عن العدوان.

 

المحور الرابع: تعزيز قيم المواطنة والمسؤولية الاجتماعية في العملية التعليمية

في ظل الأزمات الكبرى كالعدوان الذي يشهده لبنان، تبرز ضرورة تحويل المحنة إلى فرصة لتعميق المفاهيم القيمية والتربوية التي لا تغطيها المناهج التقليدية بشكل مباشر. إن انخراط الأبناء في فهم الواقع المحيط بهم لا يعد تشتيتاً عن الدراسة، بل هو في صلب بناء الشخصية المتوازنة والقادرة على مجابهة التحديات المستقبلية.

لذا، فإن دور الأهل ينصبّ نحو استثمار الأحداث الراهنة لترسيخ قيم التضامن الوطني والاجتماعي؛ من خلال تشجيع الأبناء على المبادرة في مساعدة أقرانهم النازحين أو المشاركة في تنظيم الموارد البسيطة المتاحة في مراكز الإيواء أو الأحياء المتضررة. تربوياً، يمكن تحويل هذه المبادرات إلى أنشطة تعليمية تطبيقية؛ فكتابة رسالة تضامن تنمي المهارات اللغوية، وإحصاء وتوزيع المساعدات يعزز المهارات الرياضية والمنطقية. إن هذا الربط الوثيق بين "الفعل الاجتماعي" و"التحصيل المعرفي" يمنح المتعلم شعوراً بالجدوى والفاعلية، ويخفف من وطأة الشعور بالعجز أمام الحرب، مؤكداً أن الهدف الأسمى للتعليم هو خدمة الإنسان والمجتمع في أصعب الظروف.

 

المحور الخامس: تفعيل "البداغوجيا التعويضية" وإدارة الوقت في مرحلة التعافي

يتطلب الانتقال من حالة الحرب إلى مرحلة الهدنة والعودة التدريجية للتعليم تبني مفهوم "البداغوجيا التعويضية" داخل الأسرة، وهي مقاربة تهدف إلى سد الثغرات المعرفية الناتجة عن الانقطاع القسري عبر ترتيب الأولويات. إن التحدي الأكبر الذي يواجه الأهل في لبنان حالياً هو كيفية إعادة ضبط الإيقاع الذهني للأبناء، الذين اعتادوا على نمط معيشي قلق لا يحكمه زمن دراسي محدد.

وهنا تبرز أهمية "التدرج الزمني"؛ فلا ينبغي للأهل مطالبة الأبناء بساعات دراسة طويلة دفعة واحدة، بل البدء بجلسات قصيرة ومكثفة تركز على المهارات الأساسية التي يبنى عليها التعلم اللاحق. كما يجب التركيز على "نوعية الفهم" لا "كمية المنهج"، من خلال تشجيع الطلاب على تلخيص ما فاتهم أو ربطه بتطبيقات واقعية، مما يعزز من كفاءة الذاكرة طويلة المدى. إن إدارة الوقت في هذه المرحلة يجب أن تتسم بالمرونة العالية، بحيث يدمج الأهل بين المهام الأكاديمية وفترات الراحة والنشاط البدني، لضمان استعادة "اللياقة الذهنية" دون التسبب في احتراق نفسي للأبناء، تمهيداً للعودة الشاملة إلى المقاعد الدراسية بجاهزية وكفاءة.

 

ختاماً، إن عبور التحدي التربوي في لبنان ما بعد العدوان لا يقتصر على استرجاع الحصص الدراسية المفقودة، بل يكمن في الحفاظ على جذوة التعلم متقدة في نفوس الأبناء رغم انعدام الإمكانيات. إن الدور الذي يؤديه الأهل اليوم كـ "رعاة تربويين" يتجاوز حدود التلقين الأكاديمي ليصل إلى مرتبة صناعة الصمود المعرفي، وهو استثمار في الرأسمال البشري الوطني الذي لا تكسره الأزمات. إن تكاتف الأسر، وتبني الحلول الابتكارية، ومنح الأولوية للصحة النفسية، هي الضمانات الحقيقية لترميم ما هدمته الحرب في الوعي والتحصيل، وصولاً إلى استعادة المؤسسة التربوية لدورها الطبيعي بطلاب أكثر إصراراً وقدرة على التكيف مع متغيرات الواقع.

 

مصادر المقال:

  1. الأونيسكو (UNESCO): التعليم في حالات الطوارئ والأزمات: الممارسات الواعدة والدعم النفسي-الاجتماعي
  2. اليونيسف (UNICEF): إطار العمل الاستراتيجي للتعليم في لبنان: الاستجابة للأزمات المتعددة. تقرير التقييم التربوي، لبنان.
  3. وزارة التربية والتعليم العالي في لبنان (MEHE): خطة التعافي التربوي وما بعد الأزمات.
  4. عبوين، سمية، (2025). دراسة الآثار النفسية للحروب والنزاعات المسلحة على الطفل والمراهق، مجلة الجامع في الدراسات النفسية والعلوم التربوية.

آخر تحديث : 2026-05-04
الكلمات المفتاحية للمقال:
مشاركه في:

تعليقات

اترك تعليقك هنا

  • shape
  • shape
  • shape
  • shape