Cancel Preloader
دراسات ومقالات المركز

الحرب كفرصة لعرض النموذج الإسلامي التربوي الاخلاقي الأصيل

الحرب كفرصة لعرض النموذج الإسلامي التربوي الاخلاقي الأصيل

تمهيد

منذ بداية شهر آذار من العام 2026 شهد لبنان وجبهة الحق عدوانًا أمريكيًا إسرائيليًا غاشمًا بمعاونة أتباعهم، استهدف البشر والحجر.

فشكّل هذا الاستهداف خلاصة شريعة الغاب الحاكمة في هذا العالم الظالم، ودليلًا واضحًا على غياب العدالة الإنسانية أو ما يسمى زورًا بشريعة حقوق الإنسان. حيث تبيّن أن هذه الشريعة وهذه الحقوق لا تشكّل أكثر من حبر على ورق؛ فلا الأخلاق والقيم يتم احترامها، ولا الإنسان يتم احترام إنسانيته. فلغة المصالح التي تحكم عقيدة وإيديولوجيا النظرية المادية هي الشريعة الوحيدة التي تحرك سلوكيات هذه الزمر الحاكمة، وكأنّ لهم الحق في إخضاع الشعوب وفي نهب الثروات وفي اجتياح البلاد الأخرى. فالعالم في نظرهم، والبشرية جمعاء بالنسبة لهم، هي موارد يجب استغلالها دون أي رادع إنساني أو أخلاقي أو تربوي أو ديني... إلخ.

وهنا يبدأ الخلاف بين من يرى نفسه حاكمًا ومسيطرًا على هذا العالم وعلى موارده ومقدراته وخيراته دون أي حسيب أو رقيب ولا حتى ضمير شخصي حي، وبين طرف آخر يرى نفسه مستخلفًا في هذه الأرض بأمر رباني. وبالتالي فكل حركته وكل سلوكياته وكل قراراته تكون نابعة من مسؤولية الاستخلاف التي يحملها على ظهره والتي تشكّل له البوصلة في كل حركته التوحيدية. فيرى وجوده مسؤولية وأمانة يجب حفظها وسيحاسب عليها يوم القيامة، مقابل النظرة المادية التي ترى وجودها ونجاحها يُلخَّص في السيطرة وفي تعظيم الإنتاج المادي، ولو على حساب الآخرين، ودون أي احترام لحقوق الأجيال القادمة. فما يسمونه بالتنمية البشرية المستدامة هي كذبة من أكاذيبهم التي يبرعون فيها.

 

البناء النظري للتربية الأخلاقية

رغم كل هذه الحرب الهمجية اللاأخلاقية واللاإنسانية التي نشهدها على بلدنا لبنان، يجب على الإنسان الأخلاقي المسلم أن لا يخرج عن دينه وعقيدته وتربيته وأخلاقياته. فالحرب ليست مجرد ساحة صراع، بل هي اختبار للقيم التربوية والإنسانية التي يحملها الإنسان نظريًا في عقله وقلبه، والتي تشربها تربيةً من الأنساق التربوية المختلفة (الأسرة، المسجد، المدرسة... إلخ).

 

أ- القرآن الكريم:

التربية الأخلاقية النظرية في القرآن الكريم هي واضحة وجليّة كما ورد في عدد من الآيات الكريمة، بسم الله الرحمن الرحيم:

﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: 36].

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ [التوبة: 119].

﴿أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلَامًا﴾ [الفرقان: 75].

﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾ [الأنعام: 21].

﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل: 90].

﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ ۖ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ۖ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ ۖ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾ [آل عمران: 159].

من خلال هذه الآيات الكريمة يظهر بعض أسس البناء النظري الأخلاقي في الدين الإسلامي، حيث يركز على مسائل الصدق والصبر، والنهي التام عن الكذب، والتأكيد على مسائل العدل والإحسان، ومحاربة المنكر والنهي عن الظلم، والتأكيد على القول الحسن كوسيلة للتواصل والعلاقات مع الآخرين لما لهذا التواصل الإيجابي من أثر في تقريب القلوب بين الإنسان المسلم والآخرين من مسلمين وغيرهم.

 

ب- السنة النبوية وأحاديث آل البيت عليهم السلام وسيرتهم:

الركن الثاني في التربية الأخلاقية النظرية الإسلامية هو السيرة النبوية وأحاديث آل البيت عليهم السلام وسيرتهم.

فالرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم هو النموذج التربوي الأخلاقي في كل سلوكياته، بسم الله الرحمن الرحيم ﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَىٰ، إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَىٰ﴾ [النجم: 3-4]. ويقول صلى الله عليه وآله وسلم "إنما بعثت لأتمم مكارم الاخلاق"1. وقال أيضًا "أكثر ما تلج به أمتي الجنة تقوى الله وحسن الخلق"2.

فكل حركة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وكل سلوكياته هي بأمر من الله تعالى، فهو النموذج القدوة لكل بني البشر، وكل أحاديثه وكل سلوكياته هي مصداق للنموذج الأخلاقي التربوي الأكمل نظريًا وعمليًا.

 

والأئمة من آل البيت عليهم السلام هم الامتداد العملي لهذا النموذج القدوة في سيرتهم وفي أحاديثهم فكل الأئمة عليهم السلام كانوا الأميز والأقدر في المجتمعات والحقبات التي تواجدوا فيها. فلا نجد إمامًا إلا وكان قدوةً للحاكمين وللمحكومين. وأكدوا على شيعتهم أن يكونوا امتدادًا لأخلاقهم وحركيتهم وسلوكياتهم وللدين الإسلامي الذي دافعوا عنه.

فهذه بعض أحاديث الامام الصادق عليه السلام لشيعته، حيث قال:

- "شيعتنا أهل الهدى، وأهل التقى، وأهل الخير، وأهل الإيمان، وأهل الفتح والظفر"3.

- "إياك والسفلة، فإنما شيعة علي (عليه السلام) من عف بطنه وفرجه، واشتد جهاده، وعمل لخالقه، ورجا ثوابه وخاف عقابه، فإذا رأيت أولئك فأولئك شيعة جعفر"4.

- "نسبتم إلينا ، كونوا لنا زينا ، ولا تكونوا علينا شينا"5.

- "كونوا دعاة للناس بغير ألسنتكم، ليروا منكم الورع والاجتهاد والصلاة والخير، فإن ذلك داعية"6.

وخلاصة كل هذه الأحاديث أن يكون شيعة آل البيت عليهم السلام هم المصداق والامتداد لهذه الشجرة المباركة من خلال سلوكياتهم وأخلاقهم نظريًا وعمليًا.

 

التربية الأخلاقية كنموذج عملي

لا يكفي لهذه الأخلاق الإسلامية أن تبقى في الطابع النظري، بل يجب أن تتجلى هذه العقائد والنظريات في السلوك العملي، والذي هو عبارة عن مؤشرات قابلة للقياس لما يحمله الإنسان من قيم، ويطبّقها في حياته اليومية وفي علاقاته مع الله تعالى ومع نفسه ومع الآخرين ومع الطبيعة.

 

أ- العلاقة مع الله تعالى:

الركيزة الأولى في النموذج الأخلاقي الإسلامي هي علاقة الإنسان بربه، فهي الأساس الذي يوجّه كل سلوكياته. هذه العلاقة تقوم على التوحيد والعبودية الصادقة والتسليم الخالص لله تعالى، وعلى إدراك أن كل فعل وقول سيُعرض يوم القيامة. وعليه فالنموذج التربوي الأخلاقي العملي في الحروب يرتكز على:

- الالتزام بالصلاة والعبادات في أوقاتها وبصبر رغم الظروف القاسية.

- الاستغفار والدعاء كوسيلة للثبات والطمأنينة (فالدعاء كان سلاح الأنبياء).

- التوكل على الله في مواجهة الخوف والعدوان والظلم، والرضى بقضاء الله وقدره، فهو المالك والمعطي، وكل شيء بأمره وتحت قدرته.

 

ب- العلاقة مع النفس:

الإنسان المسلم مسؤول عن نفسه، فيربيها على الصبر والصدق والورع، ويمنعها من الانزلاق خاصة في الشدائد، وعليه فالنموذج التربوي الأخلاقي العملي في الحرب في هذا المجال يرتكز على:

- الحفاظ على الدين والتديّن وعدم التحوّل في الأفكار والعقائد نتيجة للابتلاءات والاختبارات.

- الصبر على فقدان الأحبة.

- شكر الله تعالى رغم ضيق الموارد. 

- الحفاظ على الكرامة الشخصية وعدم الانحدار إلى سلوكيات غير أخلاقية. 

 

ت- العلاقة مع الآخرين:

النموذج الإسلامي يضع العلاقات الإنسانية في قلب التربية الأخلاقية، فيدعو إلى حسن التواصل والرحمة والعدل والإيثار. وفي الحرب يظهر ذلك في:

- ضبط النفس أمام الاستفزازات. 

- التعاون من أجل صالح الجماعة وتقاسم الموارد بعدل، والإيثار حيث أمكن.

- التطوّع من خلال رعاية الأطفال وكبار السن والجرحى ومساعدة النازحين وغيرهم.

- نشر الطمأنينة بدل الفوضى، والصدق بدل الشائعات. 

- عدم رفع الأصوات أو إزعاج الآخرين.

- التواصل بإيجابية مع أفراد البيئة المستضيفة لكل يكون مصداقًا لما يحمله من قيم نظرية.

- احترام عادات وتقاليد البيئات المستضيفة، لكي يكون حضوره خفيفًا وخلوقًا ومعبّرًا عن حديث "الناس صنفان إما أخًا لك في الدين أو نظيرًا لك في الخلق".

 

ث- العلاقة مع الطبيعة:

الإسلام يعلّم أن الأرض أمانة، والإنسان مُستخلَق على هذه الأمانة، والموارد ليست ملكًا مطلقًا للإنسان بل هي وديعة يجب الحفاظ عليها. وفي الحرب يظهر السلوك العملي من خلال:

- احترام النظام العام (نظام السير، دفع فواتير الكهرباء،..إلخ).

- الحفاظ على النظافة (الشوارع، المباني، الأماكن العامة،..إلخ).

- ترشيد استخدام الموارد (مياه، كهرباء..إلخ) قدر الإمكان.

 

الخاتمة

الحرب رغم قسوتها، هي فرصة للتواصل مع الآخر في لبنان، حيث أنه من المرّات القليلة التي يتمكّن فيها أبناء البيئات اللبنانية الأخرى من الاحتكاك ببيئتنا بشكلٍ مباشر. ولهذا يجب استغلال هذه الفرصة لإظهار النموذج الإسلامي التربوي الأخلاقي الأصيل.

فهذا النموذج وبتطبيقه السلوكي العملي لدى المؤمنين به، يُظهر الفارق بين من تحكمه شريعة الغاب المادية، وبين من تحكمه شريعة السماء القائمة على العدل والإحسان والرحمة. إن المسلم الحق، في سلوكه اليومي أثناء الحرب، يصبح داعيةً صامتًا يترجم القيم القرآنية والنبويّة وقيم آل البيت عليهم السلام إلى واقع حيّ، فيرى العالم أن الإسلام الأصيل ليس مجرد شعارات، بل هو نموذج حضاري أخلاقي تربوي قادر على الصمود أمام أعتى التحديات، بل وتحويل المحنة إلى منبر للقيم والإنسانية. كما حوّلت السيدة زينب عليها السلام تحدّي كربلاء وتحدّي السبي إلى منبر لإظهار النموذج الإسلامي التربوي الحسيني الحقيقي وأظهرت زيف الباطل.

والصبر هو مفتاح الفرج بإذن الله تعالى في هذه الحروب الضروس، فالنصر العسكري على أعداء الإنسانية وعلى جبهة الباطل يجب أن يواكبه نصر تربوي أخلاقي من خلال السلوك العملي الإيجابي في البيئات الحاضنة انطلاقًا من قيم الخير الحقيقة التي يختزنها ديننا الإسلامي.

فالحرب قد تُسقط الشهداء والحجر ولكنها لا تُسقط القيم والأخلاق.

 

المصادر والمراجع

القرآن الكريم

1- تفسير مجمع البيان، المجلد 10، صفحة 333.

2- أصول الكافي، المجلد الثاني، كتاب الإيمان والكفر، باب حسن الخلق،  حديث 6.

3- الكافي، الكليني، ج2، ص233.

4- الكافي، الكليني، ج2، ص233.

5- الريشهري، ميزان الحكمة، ص 1544.

6- الكافي، الكليني، ج2، ص 78.

7- نهج البلاغة، ج3، ص 84.

آخر تحديث : 2026-05-12
الكلمات المفتاحية للمقال:
مشاركه في:

تعليقات

اترك تعليقك هنا

  • shape
  • shape
  • shape
  • shape