التربية الأخلاقية كشرط للتمهيد والظهور
فرعون، الاستضعاف، وزمن الانتظار
يقول الله تعالى في كتابه الكريم: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِّنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ ۚ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ * وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ * وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُم مَّا كَانُوا يَحْذَرُونَ﴾ (4-6/القصص).
نعيش في هذه الفترة أياما استثنائية إذا ما نظرنا إلى ما يجري على وجه الكرة الأرضية من تحديات غير مسبوقة. فلم يشهد العالم، خلال مئة أو مئتي عام مضت، تحديات وجودية بهذا الحجم وبهذا العمق. إنها تحديات انتقالية وتحولية ترسم ملامح المراحل القادمة والمستقبل القريب. وفي مثل هذه الأيام، تقع علينا مسؤولية خاصة، بوصفنا جماعة اختصّها الله تعالى بأفضل أنواع العبادات، ألا وهي انتظار الفرج.
فقد ورد في الحديث الشريف عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "أفضل أعمال أمتي انتظار الفرج"[1]!
هناك موضوعات كثيرة تُطرح عادةً عند الحديث عن الإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف من قبيل: حقيقة ظهوره، وعلامات الظهور الحتمية وغير الحتمية، وواجبات المنتظرين، وكيف سيكون حال العالم قبل الظهور وبعده. وهذه كلها قضايا معروفة ومتداولة.
لكن من الضرورة بمكان، أن نضيء على قضية قلّما يتم التوقف عندها، مع أنها – في رأيي – تشكّل جوهر وجودنا كجماعة مؤمنة بولاية أمير المؤمنين وولاية أهل البيت عليهم السلام في زمن الغيبة الكبرى.
وقبل الدخول في هذه القضية، لا بد من الالتفات إلى الجهة المقابلة عبر التاريخ. إذ أن التاريخ الإنساني هو تاريخ صراع مرير، سقط فيه الشهداء، والأنبياء، والعلماء، والأئمة، والأولياء، والأبرياء. وهو صراع دائم بين الحق والباطل. وتتخذ مظاهر هذا الصراع صورًا متعددة؛ فتارةً يكون صراعًا عقائديًا: نقاشًا حول التوحيد والشرك، والإيمان والكفر، ووجود الله أو إنكاره، ووجود الآخرة أو نفيها، وهذا أمر مفهوم ومألوف. لكن هناك صورة أخرى للصراع، لا تقل خطورة، بل قد تكون أشد عمقًا، وهي ما يمكن تسميته الصراع الأخلاقي والقيمي. فقد يمتلك الإنسان وضوحًا في الرؤية والعقيدة، ويؤمن بوجود الله، لكنه يكون مصابًا بخلل على مستوى السلوك، والقيم، والأخلاق. وقد يكون في المقابل قويًا في اعتقاده وقويًا في أخلاقه معًا.
والعدو، وإن كان يهتم بما في رأس الإنسان من أفكار ومعتقدات، إلا أن ما يهمه على نحو أدق هو المنظومة الأخلاقية والقيمية التي يؤمن بها الإنسان. فإذا كنتَ تؤمن بالصدق، وبالأخلاق الفاضلة، وبالقيم الرفيعة، وبالكرم، والشجاعة، والإيثار، والجهاد، والشهادة بوصفها قيمًا أخلاقية لا يمكن التنازل عنها، فإن هدف العدو يصبح إسقاط هذه القيم بالذات.
واليوم، تضج الأخبار ووسائل الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي، بما يمكن تسميته الفضيحة الأخلاقية الكبرى التي يعيشها العالم الغربي، ولا سيما في الولايات المتحدة الأميركية وبريطانيا، فيما عُرف بما يُسمّى ملفات إبستين. ونحن نعيش في خضمّ هذا الحدث الكبير؛ نرى ملايين الوثائق قد كُشف عنها، وأكثر من مئةٍ وعشرين ألف صورة، وآلاف الفيديوهات، وما نُشر ليس إلا جزءًا مما لم يُنشر، وربما يوازيه حجمًا وخطورة. والسؤال هنا: هذه الفضيحة حصلت مع مَن؟ مع نخبة قيادة العالم؛ رؤساء، وساسة، ومثقفين، وفلاسفة، ومفكرين، وأثرياء، وقادة بنوك، وتجار سلاح، وأطباء، ومخترعين… أسماء كثيرة جدًا تسقط في هذا الامتحان الأخلاقي والقيمي.
وعلى مدى مئة عام من عمر الحضارة الغربية المعاصرة، كان الإنسان موضع اختبار حقيقي: هل هو كائن قادر على التصرّف وفق ضوابط أخلاقية؟ والنتيجة كما نرى الآن– بكل وضوح – كانت سقوطًا أخلاقيًا مريعًا ومفزعًا.
وعلى سبيل المثال، فقد شهدت الحرب العالمية الثانية وحدها مقتل خمسين إلى ستين مليون إنسان. وهذه ليست أرقامًا بسيطة؛ ففي غضون أربع أو خمس أو ست سنوات فقط، سُفك دم هذا العدد الهائل من البشر بلا رحمة. وقيل يومها: لعلّ الإنسان يتعلّم من الموت، لأن الموت هو الذي يوقظ الضمير! لكن الذي تبيّن لاحقًا أن الحضارة الغربية المعاصرة، ومعها الدول التي دارت في فلكها، لا تزال حتى هذه اللحظة – وربما إلى المستقبل – تعيش حالة تدهور أخلاقي وقيمي لا قدرة لنا على تصوّر عمقه أو تخيّل نهاياته.
وفي المقابل، نحن نعيش في بيئات مؤمنة؛ لدينا إيمان، ولدينا قيم، ولدينا أخلاق، ولدينا مناسبات دينية، ولدينا أهل البيت عليهم السلام، ومنظومة فكرية وروحية تحفظ هذه القيم وتمنع تآكلها.
أما هذا العالم المعاصر، فإنه يعيش – في جوهره – أخلاقًا فرعونية. فنحن حين نسمع باسم فرعون، يتبادر إلى أذهاننا قوله: "أنا ربكم الأعلى"[2]، نعم، قالها، لكن الخطير في فرعون ليس مجرد ادّعائه الألوهية، بل إنه كان يفرض على الناس الذين يخضعون له قيمه وأخلاقه الخاصة، ونمط معيشته وشهواته وغرائزه، وهذه نقطة كثيرًا ما نغفل عنها.
فحين نتحدث عن الأخلاق الفرعونية، فإننا لا نتحدث عن مرحلة تاريخية منتهية، ولا عن شخصٍ اسمه فرعون فقط، بل عن نموذج حضاري متكرر يقوم على الاستعلاء، واحتقار الإنسان، وإخضاعه لمنظومة قيم يفرضها المتسلّط بوصفه مركز الحقيقة والسلطة معًا. ففرعون لم يكن مجرد طاغية قال: "أنا ربكم الأعلى"، بل كان صاحب مشروع أخلاقي منحرف؛ مشروع يُعيد تعريف الخير والشر، والحق والباطل، والفضيلة والرذيلة، وفق ما يخدم بقاءه وهيمنته. وفي هذا النموذج، تُشرعن القسوة، ويُبرَّر الظلم، ويُعاد تشكيل وعي الناس حتى يصبح الذبح سياسة، والاستضعاف نظامًا، والفساد أسلوب حكم. وهذا تمامًا ما نراه اليوم في أشكال متعددة من الهيمنة العالمية التي تُقدَّم بلباس الحداثة والتقدم، بينما جوهرها فرعوني أخلاقيًا.
وأمام هذا النموذج، يأتي الخلاص المهدوي بوصفه انقلابًا سياسيًا من جهة، ومن جهة أخرى بوصفه نقضًا جذريًا لمنظومة القيم الفرعونية. فدولة الإمام المهدي ليست فقط دولة عدل في توزيع السلطة، بل هي دولة عدل في إعادة تعريف الإنسان، واستعادة الأخلاق بوصفها معيار القيمة والكرامة. ومن هنا، فإن الصراع الحقيقي قبل الظهور هو صراع بين أخلاق فرعونية مهيمنة، وأفق مهدوي يريد إنقاذ الإنسان من هذا الانحراف العميق.
ففرعون لم يكتفِ بإعلان نفسه ربًا، بل عمل على إعادة تشكيل منظومة القيم والأخلاق عند الناس وفق مقاييسه. وهذه واحدة من أعظم الكوارث الحضارية. واليوم، في هذا الزمن المعاصر، هناك جماعة على وجه الكرة الأرضية تؤمن – عمليًا – بأنها الرب الأعلى للبشرية، وقد حاولت، ونجحت إلى حدٍّ كبير، في فرض أخلاقها على العالم: سلبت الناس قيمهم، وفرضت عليهم عبادة المادة، والانغماس في الشهوة، والخضوع للغرائز.
وقد رأينا آثار ذلك بوضوح في أفلامهم، ومسرحهم، وفنونهم، وأدبهم، كما رأيناه في سلوكهم السياسي، والعسكري، والأمني، والاقتصادي، وفي النهب، والسلب، والظلم، والاستعلاء، والتكبّر، وغياب أي اعتبار إنساني أو أخلاقي على وجه الأرض.
إلا أنّ هذا الخلاص، كما تؤكد سنن الله في التاريخ، لا يتحقق بلا شروط. فالتمهيد للظهور ليس حالة انتظار ساكنة، ولا شعورًا وجدانيًا مجردًا، بل هو مسار طويل من الثورة الدائمة داخل المجتمع المؤمن، ثورة على كل أسباب الانحراف، وفي مقدمتها الانحراف الأخلاقي والقيمي والسلوكي.
إن أخطر ما يمكن أن يصيب جماعةً تدّعي الانتظار هو أن تُهادن الانحراف، أو أن تتعايش معه، أو أن تبرّره باسم الواقعية، أو السياسة، أو الضرورة. فالانحراف الأخلاقي لا يبدأ كبيرًا، بل يبدأ صغيرًا: بتسويغ الكذب، بتطبيع الظلم، وبتبرير الخيانة، وبالسكوت عن الفساد، وبالتغاضي عن تشويه القيم.
ولهذا، فإن التمهيد الحقيقي للخلاص هو حالة يقظة دائمة، ومحاسبة مستمرة للنفس والجماعة، ورفض لأي تآكل أخلاقي، مهما بدا بسيطًا أو مبررًا. فدولة الإمام المهدي لا تُبنى على مجتمعاتٍ مهزومة أخلاقيًا، بل على جماعة تمرّست في مقاومة الانحراف، واعتادت أن تقول "لا" حين يكون قول "لا" مكلفًا.
إن هذا المعنى، ليس هذا المعنى، عن منطق الرسالات الإلهية، بل هو في صميمها. فالرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم لخّص بعثته كلّها بقوله: "إنما بُعثت لأتمم مكارم الأخلاق"[3]، وكأن الرسالة، بكل تشريعاتها وأحكامها، لم تكن إلا طريقًا لبناء الإنسان أخلاقيًا. وقد شهد له القرآن الكريم بذلك شهادة خالدة حين قال: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾[4]. فالخلق العظيم لم يكن صفة شخصية فحسب، بل كان منهج قيادة، وأسلوب تغيير، وأداة هداية. ومن هنا نفهم أن كل نهضة حقيقية في التاريخ الإلهي بدأت نهضة أخلاقية، وأن كل سقوط حضاري سبقه انهيار في منظومة القيم. ولذلك، فإن حركة الإمام المهدي ليست خروجًا عن هذا المسار، بل هي تتويج له. إنها عودة قوية إلى مركزية الأخلاق، لا بوصفها وعظًا أخلاقيًا، بل بوصفها قوة تاريخية قادرة على إعادة بناء العالم.
ولهذا، فإن من لا ينخرط اليوم في الثورة الأخلاقية، ولا يجعل من القيم محور سلوكه، لا يهيئ نفسه حقًا للانخراط في مشروع الظهور، مهما ادّعى الانتظار أو رفع الشعارات. نحن اليوم نعيش ذروة هذا المشهد، وذروة ما يمكن تسميته الصراع الحضاري على مستوى العالم.
أما فيما يخصّنا نحن، نحن الذين ننتظر ظهور الإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف، فإن خلاصة الفكرة هنا واضحة: لقد وضعنا أهل البيت عليهم السلام، والرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم، أمام تحدٍّ كبير اسمه التحدي الأخلاقي في زمن الغيبة الكبرى.
فمن يراجع روايات أهل البيت عليهم السلام، يلاحظ نوعًا من الاطمئنان لديهم على عقائد الشيعة، وإيمانهم، وفقههم، وشرعهم، وحلالهم وحرامهم، وذلك ببركة وجود العلماء والمراجع الربانيين الذين حملوا الأمانة عبر القرون. لكننا نجد في الوقت نفسه – وبوضوح – قلقًا حقيقيًا عند أهل البيت عليهم السلام، ليس على أصل الاعتقاد، بل على السلوك الأخلاقي عند شيعتهم.
وهنا مكمن الخطر الحقيقي.
إن التاريخ، يبيّن لنا بوضوح أن مأزق أهل البيت عليهم السلام في زمن حياتهم لم يكن في اعتقاد الناس بإمامتهم؛ فكثيرون كانوا يعرفون أنهم أئمة مفترضو الطاعة، ويُقِرّون بمكانتهم. لكن المشكلة الحقيقية كانت في صدق التولي، وصدق التولي مسألة أخلاقية بالدرجة الأولى. ولهذا رأينا، عبر التاريخ، أن جزءًا ممن قالوا إنهم يحبون أهل البيت عليهم السلام، تركوا الإمام الحسين عليه السلام وحيدًا في كربلاء. ورأينا من كان يزعم محبة الإمام الحسن عليه السلام، وقد طعنه بالرمح في فخذه ليُجبِره على الاستسلام لمعاوية. ورأينا من ادّعى حب هذا الإمام أو ذاك من أئمة أهل البيت، ثم تركهم وحدهم في مواجهة السلطات الأموية والعباسية وغيرها من أنظمة الظلم في ذلك الزمان.
من هنا، نحن نؤمن – باختصار – أن غاية الحركة النبوية والإلهية عبر التاريخ ليست مجرد تصحيح الاعتقاد، بل صناعة الأخلاق في الإنسان. ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بوضوح: "إنما بُعثت لأتمم مكارم الأخلاق".
ومعنى ذلك أن الإنسان، إذا لم تكتمل فيه الأخلاق، فهناك خلل في مسار النبوة والإمامة في حياته، لا في أصل الرسالة نفسها. ولهذا فإن وجود الإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف إنما هو من أجل تتميم الأخلاق عند الإنسان. وقد اقتضت الحكمة الإلهية أن يمتد زمن الغيبة أكثر من ألف ومئتي سنة، والإمام حاضر، ناظر، يراقب: هل هذه الجماعة التي تقول إنها تنتظره قد اكتملت أخلاقها؟ هل اكتملت قيمها؟ هل تستطيع الثبات وعدم التنازل عن قيمة أخلاقية واحدة مهما اشتد الضغط؟
وهذا بحد ذاته امتحان كبير.
ويؤكد هذا المعنى ما ورد عن الإمام الصادق عليه السلام، في رواية جامعة وعميقة، ينبغي أن يسمعها الشباب والشابات جيدًا، حيث يقول: "من سرّه أن يكون من أصحاب القائم عليه السلام، فلينتظر، وليعمل بالورع ومحاسن الأخلاق"[5]. فهذه الرواية تضع أمامنا مسألتين واضحتين:
المسألة الأولى: الانتظار.
والمسألة الثانية: العمل بالورع ومحاسن الأخلاق.
وأما المسألة الأولى: الانتظار، فليس مجرد مرور الزمن، ولا حالة سلبية من الترقب؛ فكلنا، بحكم طبيعة الحياة، ننتظر، والوقت يفرض علينا الانتظار فرضًا. لكن الانتظار، في منطق أهل البيت عليهم السلام، يعني المعرفة: أن نُعرِّف الأجيال التي تأتي من بعدنا على الحجة الذي ننتظره، على الإمام المهدي عليه السلام، وعلى حركته، وعلى خصائص شخصيته، وعلى خصائص أصحابه. هذا هو الانتظار الحقيقي. أما انتظار بلا معرفة، فهو انتظار يشبه انتظار سائر الناس للفرج بشكل عام، لا انتظار المنتظر الواعي.
- وأما المسألة الثانية، فهي العمل بالورع ومحاسن الأخلاق، فهذه لا يجوز المرور عليها مرورًا عابرًا. فالعمل بالورع ومكارم الأخلاق هو وظيفة المنتظر الأساسية. الرواية لم تقل: اتركوا العمل، أو لا تبنوا اقتصادًا، أو لا تنخرطوا في السياسة، أو لا تدافعوا عن أنفسكم. إذ نحن بطبيعة الحال سنعمل، وسنبني اقتصادًا، وسنبني قوة، وسنكون حاضرين في السياسة والمجتمع.
لكن القضية الجوهرية هي: أن يتحلّى الاقتصادي بالورع والأخلاق. وأن يتحلّى السياسي بالورع والأخلاق. وأن يتحلّى المسؤول، في أي موقع اجتماعي، أو حزبي، أو حركي، أو نضالي، بالورع ومحاسن الأخلاق.
وأما أن يكون الإنسان منتظرًا كما ينتظر بقية الناس، فهذا أمر سهل؛ فالعمر يمرّ بطبيعته، لكن الانتظار الذي يصنع الإنسان أخلاقيًا هو التحدي الحقيقي!
وخلاصة القضية، ولا سيما عند فئة الشباب، وخصوصًا الشباب الكشفي، أيها الأصدقاء، أيها الشباب، أننا نعيش اليوم مرحلة صراع كبير، وليس صراعًا عاديًا أو عابرًا.
أي صراع هذا الذي يُختطف فيه الإمام موسى الصدر؟ هل هو صراع عادي؟ وأي صراع هذا الذي يُقتل فيه السيد حسن؟
هل هو صراع عادي؟ وأي صراع هذا الذي تُقتلع فيه الأعين، وتُقطع فيه الأيدي؟ وأي صراع هذا الذي يُهدَّد فيه سماحة السيد الخامنئي بالقتل، وتهديده صار علنيًا وشخصيًا منذ أشهر؟ هل هذا صراع عادي؟
إنهم، حين عجزوا عن إطفاء نور المؤمنين، بدأوا يهددونهم بالقتل. وهذا وحده كافٍ ليُدرك الإنسان أن ما نعيشه هو صراع مصيري كبير، عنوانه في المقلب الآخر: الانهيار الأخلاقي والقيمي!
اليوم، اجلس وراقب الفضاء الإلكتروني، ووسائل التواصل الاجتماعي في أوروبا وأميركا، وسترى كيف ينشغلون ليلًا ونهارًا بفضيحة تلو أخرى: أي أخلاق هذه؟ وأي سلوكيات هذه؟ وأي انهيار إنساني هذا؟
وهذا المسار، بطبيعته، لا يمكن إيقافه لأسباب كثيرة، لأنه نتاج منظومة قيمية مختلّة من الأساس.
وأما في مقلبنا نحن، فإن واجبنا – إضافة إلى سائر الواجبات – هو أن نُحسن الاستعداد الأخلاقي لظهور مولانا صاحب العصر والزمان عجل الله تعالى فرجه الشريف. ففي الروايات الواردة عن آخر الزمان، أن بعض الناس حين يظهر الإمام المهدي يقولون له: "ارجع يا ابن رسول الله"، لأنهم لا يستطيعون تحمّل الميزان الأخلاقي الصارم الذي يأتي به، ولا يحتملون القيم التي يريد أن يسير بهم عليها. فيكون الأسهل عليهم أن يقولوا له: ابقَ غائبًا، ولا تحضر! وذلك لأن حضور الإمام المهدي ليس مجرد حضور سياسي أو عسكري، بل هو حضور مُهذِّب للإنسان، مُعيد لبناء القيم والأخلاق من جذورها.
أما واجبنا نحن، فهو العمل بالورع، وبمكارم الأخلاق، وبمحاسن الأخلاق، بحيث إذا ظهر الإمام – نسأل الله أن يكون ظهوره قريبًا – وجد جماعة مؤمنة، مجاهدة، صابرة، متحلّية بالأخلاق العالية، فيفتخر بها، ويقدّمها على أنها الجماعة النموذج. فالإمام المهدي عليه السلام لا يدعو بالسيف فقط، بل يدعو بالأخلاق. فورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: "اسمه اسمي"، أي كأنما هو امتداد لمحمد صلى الله عليه وآله، ورسالة النبي محمد كان عنوانها الأساس الأخلاق.
وهذا أمر قد يغيب عن أذهاننا أحيانًا: أن الجاذبية الأساسية في حركة الإمام المهدي في آخر الزمان هي الجاذبية الأخلاقية، ومن يعين الإمام في ذلك هم أصحابه، كما كان رسول الله محمد صلى الله عليه وآله، و" مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ"[6]. لذلك من المهم، وخصوصا الشباب، أن نكون واثقين جدًا بقيمنا وأخلاقنا. فنحن مجتمع جميل بقيمه الأخلاقية؛ نحث على الصدق، وعلى صلة الرحم، وعلى التواضع، وعلى خدمة الآخرين، وعلى الإيثار، وعلى الصدقة، وعلى معاونة الفقراء والمستضعفين. وهذه القيم ليست متوفرة في كل مجتمعات العالم.
ومن هنا، أرى أن هذا الموضوع، ولا سيما لدى الفئة الشبابية في هذا الزمن، يضعنا أمام مسؤولية كبيرة جدًا: مسؤولية التمسك الحقيقي بالقيم والأخلاق التي نؤمن بها، وعدم الاغترار بهذا العالم الغربي الذي يقدّم المغريات الكثيرة، بينما يخفي وراءها فراغًا أخلاقيًا وإنسانيًا عميقًا.
تُشير بعض الإحصاءات إلى أن في الولايات المتحدة الأميركية وحدها نحو مليوني سجين في السجون الأميركية، وأن هناك ما يقارب مئتي ألف حالة اغتصاب واعتداء جنسي سنويًا، كما سُجِّل في عام 2024 وحده خمسة وأربعون ألف حالة انتحار. وهذه أرقام تقارب، في فداحتها، أعداد الضحايا في بعض ساحات الحروب (كما حصل في غزة ولبنان مثلا). وهنا يحق لنا أن نسأل بوضوح: هل هذا مجتمع يُقدَّم بوصفه مجتمع القدوة؟ وهل هذه حضارة يُفترض أن تكون نموذجًا يُحتذى؟ وهل هذا الفكر الذي يُسوَّق لنا على أنه المثال الأعلى هو فكر يصلح أن يُقتدى به؟
إنّ التحدّي الأكبر الذي نعيشه اليوم، أيها الأحبة، ليس تحدّي الحفاظ على الوجود، ولا مجرّد حمل السلاح، ولا القدرة على الصمود الفيزيائي في وجه العدوان؛ لأنّ هذا الجانب، في كثير من الأحيان، تتكفّل به غريزة البقاء عند الإنسان، ويتولاه الوعي الجمعي حين يُستهدف الوجود مباشرة. لكن التحدّي الأخطر، والأعمق، والأصعب في هذه المرحلة، هو أن نتحوّل – فعلًا لا قولًا – إلى مجتمع أخلاقي بكل ما للكلمة من معنى، كما أراد أهل البيت عليهم السلام لنا أن نكون في زمن الغيبة. مجتمع لا يكتفي بشعارات الحق، بل يعيش الحق في سلوكه اليومي، في علاقاته، في لغته، في خياراته، وفي طريقة تعاطيه مع الاختلاف، والسلطة، والمال، والقوة. فالأخلاق ليست ترفًا في زمن الغيبة، وليست أمرًا ثانويًا يُؤجَّل إلى ما بعد النصر، بل هي جوهر التمهيد الحقيقي، وميزان الجدارة بحمل مشروع الإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف.
وهنا يفرض السؤال نفسه، وبكل صراحة: حين يظهر الإمام المهدي، بالله عليكم، في أي جماعة سيظهر؟ هل سيظهر في جماعةٍ تعاني انهيارًا أخلاقيًا، وتبرّر الظلم، وتسوّغ الفساد، وتُجيد رفع الشعارات أكثر مما تُجيد تهذيب النفوس؟ أم سيظهر في جماعةٍ راقية أخلاقيًا، بلغت درجة عالية من النضج القيمي، جماعة تستطيع أن تُبهر العالم، لا بقوة السلاح فقط، بل بندرة نموذجها الأخلاقي في زمن سقط فيه العالم أخلاقيًا؟
والعالم اليوم يعيش سيادة الفساد، والجور، والتكبّر، والقتل، والنهب، والذبح، والحرق، وسرقة خيرات الشعوب. وفي وسط هذا الركام الأخلاقي، لا يمكن لمشروع الإمام أن ينجح إلا إذا وُجدت جماعة تمثّل البديل الإنساني والأخلاقي الحقيقي.
ومن هنا، تأتي الدعوة الصريحة والواضحة إلى الشباب المؤمن الصالح: دعوة إلى المبادرة، لا إلى الانتظار. وإلى الفعل، لا إلى التذرّع بالظروف. وإلى تحمّل المسؤولية الأخلاقية، لا إلى انتظار التوجيه من أحد. إذ أن نشر أخلاق أهل البيت عليهم السلام في المجتمع لا يحتاج إلى إذن، ولا إلى قرار مركزي، ولا إلى ظرف مثالي. يحتاج فقط إلى شباب واعٍ، شجاع، مبادر، يرى الخلل الأخلاقي فيسمّيه باسمه، ويواجهه بالحكمة، وبالثبات، وبالقدوة العملية.
ومن هنا، تقع على عاتق الشباب مسؤولية الوعي العميق لهذه الحقيقة. فنحن نعيش اليوم زمن البطولة الحقيقية. وكما ثبت هؤلاء الشباب في ميادين الجهاد، وعلى التخوم والحدود، وكتبوا بدمائهم الحسينية أن الجماعة التي تؤمن بالحسين عليه السلام جماعة لا تركع ولا تنكسر، فإن هذا الثبات نفسه مطلوب اليوم في ميدان آخر: ميدان الالتزام الأخلاقي. إذ أن البطولة اليوم ليست فقط في حمل السلاح، بل في التمسك بالقضايا الأخلاقية الأساسية. فالمؤمن المنتظر الذي يمارس التشهير، أو سوء الظن، أو قطيعة الرحم، أو سوء الأمانة، لا يُمكن أن يُسمّى منتظرًا حقيقيًا. وهذا ليس كلامًا شخصيًا، بل هو مضمون ما ورد عن أهل البيت عليهم السلام في توصيفهم للمنتظر الصادق. فالمرحلة اليوم تتطلب نوعًا آخر من البطولة: بطولة الجهاد الأكبر، بطولة مجاهدة النفس، بطولة إصلاح الأخلاق، وبطولة الصمود القيمي في زمن الانهيار. وهؤلاء الشباب يعرفون – كما علّمنا أهل البيت عليهم السلام – أن الجهاد الأكبر هو جهاد النفس، وأن إصلاح الأخلاق ليس أضعف أشكال المواجهة، بل هو أخطرها وأعمقها أثرًا، لأنه يصنع الإنسان القادر على حمل المشروع الإلهي حتى نهاياته.
[1] كمال الدّين وتمام النعمة، ص 644.
[2] النازعات، الآية 24.
[3] الطبرسي، مجمع البيان، ج10، ص500.
[4] القلم، الآية4.
[5] النعماني، كتاب الغيبة، ص٢٠٠.
[6] الفتح، الآية 29.
تعليقات