Cancel Preloader
ندوات المركز

التربية على الأمل ومواجهة اليأس الاجتماعي

التربية على الأمل ومواجهة اليأس الاجتماعي

نظّم مركز الأبحاث والدراسات التربوية الملتقى التربوي رقم 1 للعام 2026 وذلك عصر نهار الخميس بتاريخ 29-1-2026 م، تحت عنوان [التربية على الأمل ومواجهة اليأس الاجتماعي] (قدمه د. يوسف أبو خليل).

  • المداخلة رقم 1: (الأستاذ الدكتور طلال عتريسي / لبنان)، مدير مركز الأبحاث في جامعة المعارف
  • المداخلة رقم 2: (فضيلة الشيخ حسين زين الدين/ لبنان)، عالم دين وباحث إسلامي

 

تقديم الملتقى من قبل د. يوسف أبو خليل:

جرت العادة أن نناقش في هذا الملتقى العلمي قضايا تربوية وثقافية متعددة، وموضوع لقاء اليوم يحمل عنوانًا قد يثير الكثير من التساؤلات، ألا وهو: التربية على  الأمل ومواجهة اليأس الاجتماعي.

في الواقع، نحن نعيش في ذروة الأمل كمجتمع مقاوم، لم نأتِ إلى هنا لنعلّم مجتمعنا، بل جئنا لنتعلم منه. فالأمل الاجتماعي الذي نحياه اليوم يناقض اليأس ببعديه الفردي والاجتماعي.

اليأس الفردي مصطلح معروف في الجانب النفسي، ويقود غالبًا إلى نتائج سلبية جدًا، إذ يفقد الإنسان قدرته وكفاءته ويصبح نظره إلى الدنيا سوداويًا، هذا النوع من اليأس من اختصاص علم النفس ويُعالج ضمنه.

أما موضوعنا اليوم فهو اليأس الاجتماعي، وهو يختلف عن اليأس الفردي لأنه يرتبط ارتباطًا وثيقًا بعلم الاجتماع والمجتمع، ولقد تناول عدد كبير من المفكرين وعلماء الاجتماع هذا المفهوم، وأكدوا أن وصول أي مجتمع إلى مرحلة اليأس الاجتماعي ستكون له انعكاسات كارثية على مستقبله، سواء على المستوى السياسي أو الاقتصادي أو العلمي. فهناك مجتمعات خاضت هذه التجربة نتيجة عوامل متعددة، منها السياسية أو الاقتصادية، أو تلك المرتبطة بالحروب والعدوان.

وللإشارة، فإن الميزة في مجتمعنا تكمن في أنه لا يعاني من هذا النوع من اليأس، لكن هذا لا يعني أننا لا نواجه تحديات كبيرة في الإعلام وفي أدوات الضغط المالي والثقافي. ولذلك سنتناول هذا الموضوع في ملتقانا العلمي التربوي اليوم.

 

المداخلة رقم 1: (الأستاذ الدكتور طلال عتريسي / لبنان)

العنوان الذي تم اختياره لهذا اللقاء هو التربية على الأمل ومواجهة اليأس الاجتماعي، وهو عنوان ذو أبعاد متعددة، تهم علماء النفس والاجتماع، بل وحتى الفلاسفة والمشتغلين بالفكر الديني.

حين تأملت في هذا العنوان، تبين لي أن "الأمل" لا يمكن تناوله بوصفه مجرد حالة شعورية فردية، بل ينبغي أن يُفهم كمنظومة متكاملة تنشأ في إطار تربوي واجتماعي وثقافي. فالتربية على الأمل لا تأتي تلقائيًا، بل تحتاج إلى وعي تربوي يسبقها، ويهيّئ لها. تمامًا كما نتحدث عن التربية على التعلم، والتربية على الاحترام، والتربية على العمل الجماعي، يجب أن نُدرج ضمن أولوياتنا التربية على الأمل، وهو ما لا نكاد نجده حاضرًا بوضوح في مناهجنا التعليمية ولا في الثقافة السائدة في مدارسنا ومؤسساتنا التربوية.

 

والسؤال الذي يُطرح هنا ما هو الأمل؟

الأمل هو التوقّع الإيجابي لما هو قادم، مصحوب بإيمان بأن هناك سببًا أو تدخّلًا سيؤدي إلى تحقيق هذا الخير المرتقب. وكما قال أحد الشعراء "ما أصعب العيش لولا فسحة الأمل"، فالأمل هو فسحة نفسية وروحية ترافق الإنسان في جميع مراحله العمرية. والطفل يأمل من والديه، والتلميذ يأمل من معلمه، والراشد من مجتمعه ومحيطه المهني أو الأسري. وهكذا فإن الأمل يتحول إلى حاجة إنسانية أساسية، تُغذّى بالتربية وتُقوّى بالممارسة.

غير أن بعض أنماط التربية الحديثة تسلك مسارًا مغايرًا، فتسعى إلى تلبية كل رغبات الطفل من دون تأخير، مما يخلق بيئة خالية من التحديات. هذا النمط، في ظاهره رحيم ومريح، لكنه في العمق يؤدي إلى فراغ نفسي وانهيار في القدرة على التحمل، وبالتالي إلى فقدان الأمل.

 

متى يشعر الإنسان بالأمان؟ يشعر الإنسان بالأمان حين يمرّ بتجربة تتحقق فيها أهدافه بعد مشقة، أما إذا نال كل ما يشتهي بسهولة، فإنه يفقد الدافع للإنجاز، وتتحول الحياة إلى دائرة مفرغة لا تثير فيه طموحًا ولا تُنبت فيه أملًا.

من هنا، أرى أن التربية على الأمل لا تُبنى على الليونة المطلقة أو الإشباع الكامل، بل على التحدي والمشقة المدروسة. فيجب أن نخضع أبناءنا أحيانًا لقدر من "الخشونة التربوية" – أي للتجربة التي تتطلب صبرًا – كي يعتادوا على فكرة أن الحياة لا تُعطي بسهولة، وأن الأمل لا يتحقق إلا بالمثابرة.

هذه الفكرة ترتبط بمفهوم "السلطة التربوية"، التي لا تعني العنف أو الإذلال، بل تعني وجود مرجعية ناظمة تمنح الطفل وضوحًا ومعايير، وتعلّمه الصبر والانضباط. لذلك، لا يكفي أن نربي أبناءنا على الإيمان بالله فقط، بل يجب أن نعلّمهم كيف يتحوّل هذا الإيمان إلى سلوك يومي عند مواجهة الأزمات. وهنا التناقض، حيث نجد كثيرًا من المتدينين والمؤمنين يقعون في أزمات نفسية عميقة، رغم أنهم يعتقدون نظريًا بأن كل شيء من الله خير، والسبب أن هذا الإيمان لم يتحوّل إلى أسلوب حياة، لأن التربية كانت نظرية لا عملية. فنحن بحاجة إلى تربية تنقل "القناعة" إلى "ممارسة"، وتربط الأمل بالمسؤولية اليومية والتجربة العملية، لا فقط بالخطاب والموعظة. من هنا، فالتربية على الأمل ليست رفاهية فكرية، بل ضرورة لبناء شخصيات صلبة قادرة على تجاوز الإخفاق، وتأخير الإشباع، واحتمال الخسارة، وانتظار الفرج.

 

أما عند الكلام عن اليأس الاجتماعي فيُمكننا أن نلمس مفهوم "اليأس الاجتماعي" بوضوح في بعض التجارب الحيّة، ولعل المثال الأقرب إلينا هو المجتمع اللبناني.

فلقد أصبح من المألوف أن نسمع أشخاصًا يعبّرون عن يأسهم من الإصلاح، أو فقدانهم الثقة بقدرة الدولة على تقديم الخدمات الأساسية، أو بإمكانية تطوير النظام السياسي القائم. فهذا ليس مجرد شعور عابر، بل هو يأس ملموس وحقيقي، يكشف عن حالة عامة من العجز الجماعي عن التغيير، ضمن نظام سياسي واجتماعي يبدو جامدًا وغير قابل للإصلاح. ولذلك نسمع عبارات مثل: لا شيء سيتغير، أو هذا البلد لا يُصلَح، والتي تُعد تعبيرات شعبية عن اللاجدوى وفقدان الأمل في التغيير.

وهنا تظهر مفارقة مثيرة فأحيانًا يكون التيئيس متعمدًا، كجزء من مشروعٍ لإحباط محاولات التغيير الجذري أو الثورة على الواقع. إذ تمرّ المجتمعات بأزمات حادة، وهذه الأزمات لا تؤدي فقط إلى الانهيار، بل قد تُفرز أيضًا أفكارًا وتيارات فكرية جديدة.

لنأخذ على سبيل المثال أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية، حيث خلفت الحرب أكثر من ستين مليون قتيل، ودمارًا هائلًا في البنى الاقتصادية والاجتماعية. تلك المجتمعات عاشت تجربة مأساوية بكل معنى الكلمة من خلال تواجد عدد كبير من الأرامل، والأيتام، والمعوقين، واقتصاد منهار، وخراب نفسي شامل. ونتيجةً لذلك، ظهرت تيارات فكرية مثل الوجودية، والهيبية، والعبثية، وكلها تعكس رد فعل فلسفي على غياب المعنى، وانهيار القيم التقليدية. وهذه التيارات لم تكن دائمًا بنّاءة، بل كانت أحيانًا تعبيرًا عن انسحاب جماعي من الالتزام الأخلاقي أو الاجتماعي، والانغماس في التحرر المطلق، والانفلات من الضوابط. حتى السخرية والفكاهة أصبحت وسيلة للشعوب المنهكة للتنفيس عن أزماتها، كما هو الحال في بعض البلدان العربية.

 

ويحدث أحيانًا أن تتجسد هذه الأزمة وهذا اليأس في الأسئلة السياسية الكبرى: لماذا المقاومة؟ هل تغيّر شيئًا؟ هل جلبت إلا المصائب؟ حينها يتحوّل التشكيك إلى خطاب تيئيسي جماعي، يراد منه إقناع الناس أن ما يقومون به لا طائل منه، وأنه آن الأوان للتخلي والانسحاب.

غير أن التجربة اللبنانية تشير إلى شيء مختلف، فعلى الرغم من كثافة المشكلات والأزمات، يبقى هناك في المجتمع عوامل مقاومة لليأس. ومن هذه العوامل ما يمكن تسميته بثقافة التفريغ الجماعي. فالناس تتحدث مع بعضها البعض، والجيران يتحاورون، والأصدقاء يتبادلون همومهم. وهذا الحوار، وإن بدا بسيطًا، يشكّل صمام أمان نفسي يمنع تراكم الضغط الداخلي وتحوله إلى اكتئاب أو يأس عميق. على العكس من بعض المجتمعات الغربية التي تلجأ إلى العلاج النفسي المدفوع، فإن في مجتمعاتنا منابر طبيعية للتفريغ النفسي، كأن تلتقي امرأة بجارتها فتُفرغ همّها، ثم تعود إلى منزلها وقد هدأت. هذه ليست مجرد عادة، بل ثقافة اجتماعية تحمي من الانهيار. وهذه النقطة مهمة جدًا في فهم الفرق بين مجتمعاتنا والمجتمعات الغربية. هناك، ينظر إلى الفرد على أنه وحدة قائمة بذاتها، تُعالَج مشكلته نفسيًا بشكلٍ فردي. أما هنا، فالمجتمع يُشارك في امتصاص الصدمة، ويؤدي دورًا وقائيًا طبيعيًا. ولهذا نحتاج إلى أن ندرس التجربة الغربية، لا لكي نقلدها، بل لنفهم مواضع خللها ونقاط قوتها، ونقارنها بتجربتنا، ونطوّر نموذجًا تربويًا بديلًا يُناسب ثقافتنا وقيمنا.

 

الآن سأتكلم عن موضوع المهارات Skills لدى الغرب، فعند تأمل التجربة الغربية، نجد أنها أولَت اهتمامًا كبيرًا لما يسمى بالمهارات، خاصة في ما يتعلق بالزواج والتربية، إذ أصبحت هذه المفاهيم تُطرح تحت عناوين من قبيل: مهارات الزواج، ومهارات التعامل الزوجي، ومهارات التربية. إلا أن هذا الطرح، في كثير من الأحيان، يخلو من البعد القيمي والأخلاقي. فالمهارة في هذا السياق أصبحت تُفهم على أنها نوع من التذاكي الاجتماعي، كما في مهارة البيع والإقناع، وليس كقيمة تربوية راسخة. لكن العلاقات الأسرية، وخاصة العلاقة الزوجية، لا تُبنى على المهارات المجردة، بل على الأدب والأخلاق وقيم الاحترام المتبادل. ومن هنا فإن التربية القائمة على تنمية المهارات فقط، دون بناء قيمي، تفرغ العلاقات من محتواها الإنساني العميق.

 

لقد تربّى الجيل الغربي على التنافس والإنجاز الفردي، وحُوّلت فكرة تحقيق الذات إلى مركز الثقل في العملية التربوية. هذه التربية، رغم ما أنتجته من تفوق في بعض المجالات، إلا أنها أدت في المقابل إلى انتشار حالات اليأس الاجتماعي، حتى بين أصحاب الإنجازات الكبرى. فكم من مشاهير العالم، من فنانين ورياضيين وممثلين، بلغوا ذروة الشهرة والثراء، ثم انتهوا إلى الانتحار أو الاكتئاب. فقد امتلكوا كل شيء، لكنهم فقدوا المعنى، فلم يبق لديهم شيء يسعون لتحقيقه، وبالتالي غاب الأمل من حياتهم. فنحن نعيش الفرح أحيانًا لمجرد قدرتنا على شراء شيء لطالما رغبنا فيه، أو لأننا وفّرنا له ثمنًا بعد جهد. فإذا زال الطموح وزالت الحاجة، فقد الإنسان الأمل والدافع.

ومن هنا، يجب علينا أن نعيد النظر في التربية التي نمنحها لأبنائنا. ليست المهارات والتنافس والإنجاز أهدافًا نهائية في الحياة، بل هي أدوات، أما الغاية فهي أسمى من ذلك بكثير. فالحياة لا تُختصر في أن أكون ماهرًا أو أن أتنافس مع الآخرين لأتفوق عليهم. هذه النظرة، المأخوذة من قيم العولمة، تشجع على أن يبتلع القوي الضعيف، وأن يسحق السريع البطيء، وهي قيم لا يمكن أن تتماشى مع مشروع تربوي رحماني. فنحن بحاجة إلى منظومة قيمية تُربّي الأمل في النفس، وتُعزز من مكانة الرحمة والتكافل، بدلًا من التسلط والهيمنة. وفي عصر التكنولوجيا المتسارع، تصبح هذه المهمة أكثر صعوبة وتعقيدًا.

 

وفي هذا السياق، يأتي دور الدين، لا عند طائفة بعينها، بل في جميع الأديان. فالدين بطبيعته يُولِّد الأمل، ويَعِد بحياة أفضل، رغم اختلاف التفاصيل بين العقائد. وتحديدًا في الفكر الشيعي، نجد أن مسألة الأمل ترتبط بفكرة المخلّص الموعود، الذي سيحقق العدل الإلهي في الدنيا والآخرة. لكن السؤال الأهم يبقى: كيف نُترجم هذا الإيمان النظري إلى واقع عملي وتربوي؟ كيف نُعدّ الإنسان ليستقبل الأمل كقيمة حياتية يومية، وليس فقط كعقيدة غيبية مستقبلية؟

في المفهوم الديني، يرتكز البناء النفسي السليم على ثلاثة عناصر رئيسة: الصبر، والرضا، والتوكل. وهذه القيم، إذا غُرست في الإنسان منذ الصغر، شكّلت له درعًا نفسيًا تحميه من الانهيار أمام الشدائد. فعلى سبيل المثال قديمًا كانت بيوت المسلمين مليئة باللوحات التي تكرّس هذه المعاني، مثل: الصبر مفتاح الفرج، الصبر جميل، وغيرها. هذه الثقافة لا يجب أن نستهين بها، بل علينا أن نُحييها في وجدان الأجيال.

 

والآن ننتقل إلى الحديث عن المشروع التّيئيسي المعاصر، الذي يُوجَّه بشكل خاص إلى المجتمع الشيعي في لبنان. إذ تسعى بعض الجهات إلى إقناع الناس بأن المشروع الذي يحملونه أو حملوه لم يكن ناجحًا، بل تسبب بالمصائب. هذا الخطاب، وإن بدا منطقيًا في ظاهره، إلا أنه يستبطن هدفًا خفيًا: إحباط إرادة المقاومة، وسلب المجتمع طاقته على النهوض، وتحويله إلى كتلة من العجز واليأس. لكنّ الواقع يكشف عن العكس. ففي كثير من الأحيان، يولّد الإحساس بالتهديد حالة من التماسك والتضامن داخل المجتمع، إذ تشعر الجماعة أنها مطالبة بالدفاع عن نفسها، فتتماسك أكثر. وهذا من القوانين الاجتماعية الثابتة. والبعد العقائدي يؤدي هنا دورًا محوريًا، إذ أن الآية الكريمة تقول بسم الله الرحمن الرحيم " الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ".

هذه الثقافة، التي تكونت على مدى عقود، أصبحت جزءًا من الوعي الجمعي، وتمكّنت من التغلغل في وجدان الناس حتى باتوا يردّدونها دون حاجة إلى استحضار نصوص. فلقد تشرّب الناس هذه القيم، وأصبحت جزءًا من سلوكهم ومواقفهم. لذلك، فإن أحد عناصر الأمل الكبرى في المجتمع هو: طبيعة الثقافة، ونوعية القيادة، ومتانة المشروع الذي ينتمون إليه.

 

المداخلة رقم 2: (فضيلة الشيخ حسين زين الدين / لبنان)

سأبدأ كلامي في التربية على الأمل كما ورد في المنهج القرآني والعقائدي، ففي ضوء ما تقدم، لا بد من أن نعود إلى الجذور التربوية والعقائدية للأمل في المنهج الديني، وخصوصًا في القرآن الكريم، الذي يقدم تصورًا متكاملًا عن الأمل واليأس من خلال لغة دقيقة وواضحة. وما يُلفت النظر أن كلمة الأمل لم ترد في القرآن الكريم بصيغة إيجابية، وإنما وردت في سياق التلهي والانغماس في الدنيا، كما في قوله تعالى " ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ ۖ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ" (سورة الحجر، الآية 3) ولهذا، فإن المصطلح القرآني المقابل لمعنى الأمل الإيجابي هو الاستبشار، وهو مشتق من جذر بشّر، وقد ورد بأشكاله المختلفة أكثر من مئة مرة في القرآن الكريم، مثل: البشرى، التبشير، البشارة. كلها تدل على حالة من التوقّع المبشّر بالخير.

الأمل أو اليأس ليسا محكومين بقيمة ذاتية، وإنما ترتبط قيمتهما بموضوع التعلّق: فاليأس من رحمة الله مذموم، بل يرقى إلى مستوى الكفر، كما جاء في قوله تعالى "إنهُ لَا ييأَس مِن رَوحِ الله إِلَا القَومِ الكَافِروُن" (سورة يوسف، الآية 87). أما اليأس مما في أيدي الناس، فهو قمة التوحيد. وطول الأمل مذموم لأنه يُنسي الآخرة، بينما الأمل بالله ممدوح لأنه يعكس ثقة وتوكلًا. في ضوء هذا التفصيل، تتضح ضرورة فهم مصطلحات الأمل واليأس ضمن سياقها العقائدي والتربوي.

 

وفي السياق التربوي، قام سماحة القائد السيد علي الخامئي (دام ظله) بتحديث تعريف التربية، إذ لم يعد يراها مجرد إكساب للصفات أو نقلٍ للمعارف، بل عرّفها بأنها: تنمية القدرة على اختيار الأصلح. وهذا التعريف يفتح المجال أمام بناء الإنسان القادر على اتخاذ القرار السليم، وتحمل نتائج اختياراته، ويمنحه مناعة داخلية في مواجهة الضغوط واليأس.

تنمية هذه القدرة الإرادية تعني تنمية مركز القوة في الإنسان، الذي يُمكّنه من مقاومة السقوط في اليأس، لأن الإنسان بطبيعته يتألم من الإحباط، حتى وإن كان هو من يمارسه، لكن وعيه بالألم يصبح محفزًا على النهوض لا على الانكسار.

 

سأقوم باستعراض أصول التربية على الأمل الاجتماعي:

أ- الاعتقادات:

  • الاعتقاد بالله تعالى وصفاته (القدرة، الحكمة،..إلخ).
  • الاعتقاد بالآخرة والثواب.
  • الاعتقاد بالبِداء.
  • الاعتقاد بقيمة التحدي في صناعة الإرادة.

ب- فهم الرؤية الكونية ومعرفة الهوية والدور:

  • الأصل هو أن ينتصر الله بنا.
  • نصرنا هو أداء الوظيفة في حركة الصراع.
  • بقاء الصراع مع الظالمين ومقاومتهم هو إنجاز كبير.
  • التأمل في عاقبة البدائل.

ج- اتجاه التربية القرآنية:

  • وأما بنعمة ربك فحدّث (تعظيم النعمة).
  • الحذر من الرخاء.
  • سيرة الأنبياء (عليهم السلام).
  • السنن الحاكمة وموقع الألم في الاختبار.

د- من ثمرات الإيمان الأمل.

 

نجد في القرآن الكريم مقابلة لغوية دقيقة بين مفهومي الخوف والحزن. فالخوف هو انقباض نفسي عند توقّع أذى قادم، وهو أمر عقلائي طبيعي. أما الحزن، فهو انقباض النفس عند فقدان منفعة سابقة، وغالبًا ما يعيق حركة الإنسان.

ولذلك، خاطب الله نبيه بقوله "إِذ يَقول لصَاحِبِه لَا تَحزَن" (سورة التوبة، الآية 40)، ولم يقل لا تخف، لأن الخوف كان مبررًا. أما الحزن، فقد يشل الإرادة ويُغرق الإنسان في الندم.

وتأملًا في نظرة القرآن إلى الشهداء، نجد في الآية الكريمة "وَلَا تَحسَبَن الذيِنَ قُتِلوُا فِي سَبيلِ اللهِ أمواتًا، بَل أحيَاءٌ عِندَ رَبِّهِم يُرزَقوُن، فَرِحيِنَ بِمَا آتَاهُمُ اللهُ مِن فَضلِه، وَيَستَبشِروُن بالَذيِنَ لَم يَلحَقوا بِهِم مِن خَلفِهِم، ألاَّ خَوفٌ عَلَيهِم وَلا هُم يَحزَنُونَ" (سورة آل عمران ، الآية 169-170). ثم يتبعها قول "يَستَبشِرُونَ بِنعمَةٍ مِنَ اللهِ وَفَضلٍ، وَأَنَّ اللهَ لَا يُضِيعُ أَجرَ المُؤمِنِينَ"(سورة آل عمران، الآية 171).

هذه الآيات تقدّم رؤية قرآنية متكاملة حول مفهوم الأمل والجزاء، وتمنح المجتمع المؤمن حصانة نفسية قوية ضد اليأس، ليس عبر الوعد بالثواب فقط، بل من خلال ترسيخ الثقة بعدالة الله وعدم ضياع الجهد.

فالمراد من ثواب الآخرة ليس تعويضًا عن فشل الدنيا، بل هو ثمرة طبيعية لعمل الإنسان في الدنيا، وهو التجلي الكامل لقيمة ما زرعه من خير أو جهاد أو صبر.

في هذا السياق العقائدي، يأتي مفهوم البداء في العقيدة الشيعية ليؤكد أن المصير الإنساني ليس محتومًا، بل هو مفتوح على التغيير والإرادة والدعاء. يقول الله تعالى "يَمحُو الله مَا يَشَاء ويُثبِت، وَعِندَهُ أُمّ الكِتَاب" (سورة الرعد، الآية 39). ومن هنا نفهم لماذا ورد في الحديث: ما عُبد الله بشيء مثل البداء، لأن البداء هو الذي يمنح الإنسان القدرة على الأمل، ويجعله يؤمن بأن الدعاء يُغيّر، والتوبة تُغفِر الذّنب، والجهد يُثمر.

وفي حوار بين الإمام زين العابدين (عليه السلام) والحسن البصري، حين قال الأخير: "أعجب ممن نجا، كيف نجا مع شدة عذاب الله". ردّ عليه الإمام (عليه السلام) قائلًا: "بل أعجب ممن هلك، كيف هلك مع سعة رحمة الله". هذا هو جوهر الأمل الذي نحتاج إلى تربية الناس عليه.

 

التكاليف والابتلاءات كمنهج تربوي لبناء الأمل:

من الجوانب الهامّة في التربية على الأمل، أن نفهم التكاليف الشرعية والتحديات الحياتية لا بوصفها عبئًا، بل كوسيلة تربوية لصناعة الإنسان الواعي والمستعد للارتقاء. أحيانًا نرى أن التكاليف الدينية، مثل الصوم، تُؤدّى بدافع الخوف من العقاب أو الرغبة في الثواب. وهذا في حد ذاته مقبول، لكن المرحلة الأعلى هي أداء التكليف حبًا لله، كما قال أمير المؤمنين (عليه السلام): "ما عبدتك خوفًا من نارك، ولا طمعًا في جنتك، بل وجدتك أهلًا للعبادة فعبدتك". هذا المستوى من العبادة لا يتيسر بسهولة، لكنه يُعدّ غاية تربوية عليا.

رغم بلوغ الإمام الخميني (قدس سره) مراتب عالية من التقوى والعلم، قال ذات مرة: "بلغت من العمر ما بلغت، ولا أعلم إن كنت قد صليت ركعتين خالصتين لوجه الله، لأنني لا أعلم لو لم يهددني الله بالعذاب، هل كنت سأصلي حبًا له أم لا". هذا القول يُبيّن لنا عمق المجاهدة النفسية، ويُلفت النظر إلى أن التكاليف الدينية يجب أن تُفهم على أنها جزء من بناء النفس، لا مجرد طقوس تُؤدى. من هنا، فإن الخسارة، والفقد، والشدائد، والابتلاءات، يجب أن تُفهم على أنها محطات لصقل الشخصية، لا أسبابًا لليأس والانهيار. فإذا سأل الإنسان نفسه بعد ابتلاء أو حرب أو أزمة: كيف كانت علاقته بالله قبلها وبعدها؟ كيف كانت نظرته للدنيا؟ كيف تطورت قيمه وتوجهاته؟ فسيكتشف أن جزءًا كبيرًا من نضجه جاء من هذه المحن. وأحيانًا يُقدَّم القربان الكبير لتنشأ أمة عظيمة. وقد ورد أن الله سبحانه وتعالى إذا أراد أن يُحيي أمة، لا يقبل منها قربانًا صغيرًا، بل يُكلّفها بالتضحيات الكبيرة. بهذا الفهم، تصبح الآلام وسائل بناء لا أدوات تدمير، ويُصبح الألم نفسه دافعًا لتقوية الصلة بالله، لأن لحظات الانكسار هي التي تجعل الإنسان يشعر بحضور المولى عز وجل أكثر من لحظات الراحة. ومن هذا المنطلق، فإن الشعور بالعجز أحيانًا، أو الألم أو الضعف، ليس دليلًا على اليأس، بل هو علامة على حضور الله في وجدان الإنسان، لأنه إذا غفل العبد عن ربه، فإن الله قد يردّه إليه بلطف أو شدة، كما في قوله تعالى "نَسوُا الله فَأنسَاهُم أَنفُسَهُم" (سورة الحشر، الآية 19). لذلك، فإن تربية الإنسان على استيعاب الألم، والصبر على البلاء، والرضا بقضاء الله، والتوكل عليه، هي عناصر جوهرية في بناء الأمل الحقيقي، وهي تُكسب المؤمن مرونة داخلية تجعله لا ينكسر أمام المصاعب.

 

الانتماء والهوية كمصدر لبناء الأمل:

من العوامل الجوهرية في بناء الأمل داخل الفرد والمجتمع، مسألة الانتماء. فحين يشعر الإنسان بأنه جزء من جماعة لها هوية ورسالة، تتولد داخله طاقة كبيرة لمواصلة الطريق، حتى لو واجه المصاعب.

الانتماء ليس شعارًا، بل هو إحساس داخلي بالارتباط بجماعة تؤمن بهدف مشترك، وتتحمل معًا أعباء الطريق، وهذه الجماعة يمكن أن تكون أسرة، أو مجتمعًا دينيًا، أو أمة بأكملها.

حين يشعر الفرد أنه ينتمي إلى مشروع أكبر من ذاته، يصبح أكثر استعدادًا للتضحية، وأقل عرضة لليأس. أما حين ينقطع الإنسان عن الانتماء، ويعيش في عزلة نفسية أو فكرية، فإن احتمال انهياره أمام المصاعب يزداد. من هنا، تأتي أهمية تعزيز الهوية الجماعية في نفوس الأفراد، منذ مراحل الطفولة الأولى. وليس المقصود فقط الهوية الدينية أو الطائفية، بل الشعور بالانتماء إلى الخير، وإلى القيم، وإلى هدف يعلو على المصالح الشخصية.

في تجربة المجتمعات المقاومة، نلاحظ أن التربية على الانتماء أدّت دورًا كبيرًا في حفظ التماسك النفسي والاجتماعي. وقد استطاعت هذه المجتمعات أن تدمج البعد العقائدي بالبعد الوطني والاجتماعي، فكوّنت بذلك نموذجًا متماسكًا قادرًا على الصمود.

لا يتغذى الأمل فقط من الوعود الدينية، بل أيضًا من الثقة بقيادة رشيدة، ومؤسسات صادقة، ومشروع واضح المعالم. وعندما تجتمع هذه العناصر، يُولد الأمل الجماعي الذي يتحول إلى قوة لا يمكن كسرها. لكن حين تتفكك الهويات، ويصبح الانتماء ضعيفًا أو مشوّشًا، يتحول المجتمع إلى أفراد معزولين، كل واحد يبحث عن خلاصه الشخصي، وغالبًا ما يكون هذا الخلاص وهميًا، لأنه قائم على فكرة الهروب لا المواجهة.

المجتمع الذي لا يملك أملًا مشتركًا، ولا مشروعًا موحِّدًا، سرعان ما تتآكله الانقسامات الداخلية، وتضيع فيه الطاقات، ويتحول إلى أرض خصبة لليأس والانهيار. لهذا السبب، من واجب المؤسسات التربوية والثقافية والدينية أن تزرع في نفوس الناشئة شعور الانتماء إلى مشروع نزيه، يؤمن بالله، ويخدم الناس، ويواجه التحديات بكرامة. فبهذا وحده يُصان الأمل، ويُحمى المستقبل.

 

في ختام هذه الندوة الفكرية، يمكننا القول إن الأمل ليس حالة شعورية طارئة، بل هو مشروع تربوي متكامل، يحتاج إلى وعي وإعداد واستمرارية. لكي نربي على الأمل، لا يكفي أن نتحدث عنه، بل لا بد أن نبني له بيئة حاضنة: تبدأ من الأسرة، ثم المدرسة، فالمسجد، والمجتمع بكل مؤسساته.

يجب أن يرى الطفل في سلوك والديه معنى الأمل، لا فقط في كلماتهم، يجب أن يلمس الطالب في مدرسته أن الفشل ليس نهاية، بل تجربة يتعلم منها، ويجب أن يرى الشاب في مؤسسته أن الجهد يُكافأ، وأن الصدق لا يُضيع، وأن الوفاء له مكان.

كلما عززنا هذه القيم، رسّخنا الأمل في نفوس الأفراد. وكلما كان خطابنا واقعيًا ومتوازنًا، يجمع بين الاعتراف بالمشكلات والتمسك بالإيمان بقدرتنا على تجاوزها، زاد الأمل صلابة وانتشارًا.

الأمل لا يعني التغافل عن التحديات، ولا التساهل مع الفساد أو الإحباط، بل يعني الثقة بأننا قادرون على الإصلاح، وأن في داخلنا من الطاقات ما يكفي للنهوض. إن أعظم مشاريع المقاومة والنهوض في التاريخ بدأت بالأمل. وليس صدفة أن الله عز وجل افتتح كثيرًا من آياته بالنداء الذي يزرع الرجاء في النفوس "قُل يَا عِبادِي الَذينَ أَسرَفُوا عَلى أَنفُسِهِم لَا تَقنَطُوا مِن رَحمَةِ الله" (سورة الزمر، الآية 53). كل هذه النصوص توجّه الإنسان إلى أن لا يستسلم لليأس، وأن ينهض مهما اشتدت عليه الظروف.

في عالم اليوم، حيث الضغوط النفسية، والقلق الاجتماعي، والتشويش الإعلامي، والتحديات الاقتصادية والسياسية، يصبح الأمل ضرورة وجودية، لا مجرد خيار.

لذلك، فإن مسؤوليتنا الكبرى هي أن نربّي على الأمل، لا فقط أن نُعلّق عليه، وأن نُنشئ جيلًا مؤمنًا بأن الخير ممكن، والنصر وعد إلهي، والمستقبل بيد من يصنعه بإيمان، لا من ينتظره بخوف.

 

يوجد مسألة تربوية أخيرة:

من أهم الأصول التربوية هو تعظيم قيمة الانتماء، وقيمة الهوية، والشعور بأن هناك ما يستحق أن تتألم لأجله. لأن من لا يعرف أن هويته الثقافية والدينية نادرة، وأن ما اختصنا الله به من ولايتِكم ليس متوفراً لثمانية مليارات إنسان، لن يدرك قيمة ما هو عليه. أي أن نكون من المنتظرين لمُنجي البشرية، وأن نفهم إرادة الله في تغيير الواقع، هذا أمر ليس متاحًا للجميع، هذه نعمة عظيمة لا يملكها غيرك. فلا تتعامل مع نفسك كضحية في حرب، أنت مقاتل في جبهة، وهويتك تؤهلك أن تكون قائدًا، وإمامًا، ومشروعًا في عملية التغيير. وتعظيم قيمة الهوية يخفف كثيرًا من الضغوط النفسية.

 

عن معرفة الوظيفة:

إذا عرف الإنسان أن وظيفته ليست الانتصار، ولا الغلبة، ولا السيطرة، فإنه لا يشعر بخيبة أمل.
إذا كان الهدف هو إبقاء الصراع (بين الخير والشر)، واستنزاف العدو، وطاعة الولي، والقيام بالتكليف، فإن هذا المعنى يزرع روح الأمل والعمل. حتى في المجال العلاجي، أشار أحد الأطباء إلى مفهوم التّيئيس المتعمّد
نحن نعيش حالات مشابهة. كما في معركة أُحد، عندما قيل للمؤمنين "ٱلَّذِينَ قَالَ لَهُمُ ٱلنَّاسُ إِنَّ ٱلنَّاسَ قَدْ جَمَعُوا۟ لَكُمْ فَٱخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَـٰنًۭا وَقَالُوا۟ حَسْبُنَا ٱللَّهُ وَنِعْمَ ٱلْوَكِيلُ"(سورة آل عمران، الآية 173). وفي الآية اللاحقة "إِنَّمَا ذَٰلِكُمُ ٱلشَّيْطَـٰنُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَآءَهُ ۖ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ"(سورة آل عمران، الآية 175).

فالشيطان هو الذي يثبّط، وأولياؤه هم من ينقلون هذا التثبيط. بينما الاستراتيجية الإلهية كانت دومًا هي التربية على الأمل "وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ" (سورة الضحى، الآية 11).هذا هو معنى تربية تعظيم النعمة.

كلما عظّم الإنسان النعمة، شعر بأنه مَدين لصاحبها، وبالتالي يصبح ما يصيبه في سبيل حفظها أمرًا هيّنًا "وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَـٰنَكُمْ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ بِٱلنَّاسِ لَرَءُوفٌۭ رَّحِيمٌ" (سورة البقر، الآية 143) ، فالأصل أن الله سبحانه وتعالى لا يريد تعذيبنا، بل من رأفته يصيبنا بما يؤلمنا: إما كفّارة، أو تأهيلاً لمرحلة أخرى من المواجهة.

بل حتى لحظة الألم، يشعر الإنسان بحضور المولى عز وجل أكثر. فالله يشتاق إلى عبده أن ينظر إليه، فإن غفل عنه، يُبتلى ليعود "نَسُوا۟ ٱللَّهَ فَأَنسَىٰهُمْ أَنفُسَهُمْ" (سورة الحشر، الآية 19).

آخر تحديث : 2026-02-27
الكلمات المفتاحية للمقال:
مشاركه في:

تعليقات

اترك تعليقك هنا

  • shape
  • shape
  • shape
  • shape