الشهادة والنصر في التربية الإيمانية
إنّ الشهادة، في منظومتنا الفكرية والتربوية، تحتاج إلى قراءة هادئة تساعد القلب على الفهم وتعين الأم والزوجة والأبناء على تحمل الفقد بطريقة تحفظ الإيمان والطمأنينة، وتصونهم من واليأس.
إن للشهادة ظاهرا يقع في عالم الشهادة، وباطناً ينفتح على عالم الغيب. فهي ظاهرها وداع، وغياب، وبيت يتغيّر وجهه بعد رحيل أحبّته، وأمّ تبحث عن أثر ولدها في تفاصيل الحياة اليومية، وزوجة تحاول أن تجمع بين الوفاء والقدرة على متابعة الطريق. وفي باطنها عروج إلى الله، وشهود للحق، وخروج من ضيق الحياة الطبيعية إلى سعة الحياة الإلهية.
من هنا كانت الشهادة من أكثر المفاهيم التصاقًا بثنائية الغيب والشهادة. فهي في عالم الشهادة تُرى فقدًا، وفي عالم الغيب تُدرك حياة. ومن هنا يفتح القرآن أفقًا آخر لفهم الشهيد، حين ينهى عن عدّ الشهداء أمواتًا، ويعيد تعريف الحياة من جهة القرب من الله، لا من جهة بقاء الجسد وحده.
وهذا الفهم لا يطلب من الإنسان أن يقسو على حزنه. فالأم التي فقدت ولدها لا تُدعى إلى إخفاء دموعها، والزوجة التي ودّعت شريك عمرها لا يُطلب منها أن تتحوّل إلى صورة جامدة عن الصبر. فالتربية الإيمانية لا تدعو إلى إلغاء الوجع، وإنما تضع له وجهة، وتساعد الإنسان على ألّا يحوّل الحزن إلى إلى عبء، أو الفقد إلى قطيعة مع الحياة.
وكذلك النصر، في هذه الرؤية، لا ينحصر في الغلبة الظاهرة. فإنّ النصر الأوّل هو أن لا تُكسر الإرادة، وأن لا يستولي الخوف على القلب، وأن لا تنحرف البصيرة عن الحق. لذلك لا يكون الشهيد مهزومًا وإن قُتل، لأنّه غلب ما هو أخطر من العدو الخارجي: غلب نفسه، وغلب الدنيا، وغلب التردّد، وغلب الخوف من الموت.
ومن هنا يتأسس عنوان غيب الشهادة وشهود النصر: فالشهادة تغيب عن النظر المادي حين تُقرأ بوصفها موتًا، غير أنّها تشهد في الباطن على الحياة الحقيقية. والنصر قد يتأخّر ظهوره في الوقائع، غير أنّه يبدأ من لحظة الثبات والعزم، ومن تحوّل القلب إلى قلب لا يريد إلا الله.
يقوم التصور القرآني للوجود على أنّ ما يظهر للعين ليس كل الحقيقة. فهناك عالم الشهادة، حيث تُرى الأشياء في صورها المحسوسة، وهناك عالم الغيب، حيث تنكشف حقائقها وأسرارها ومآلاتها. ومن يقف عند الظاهر وحده قد يقيس الحياة بالموت، والنصر بالغلبة، والخسارة بما تفقده اليد، أمّا التربية الإيمانية فتوسّع النظر، وتدرّب الإنسان على أن يرى ما وراء الحدث، لا أن يبقى أسير صدمته الأولى.
عالم الشهادة هو عالم الامتحان والعمل. فيه يظهر الإنسان في موقفه، ويُختبر في اختياره، ويُدعى إلى أن يترجم إيمانه فعلًا. وفي هذا العالم تقع المواجهة، ويظهر الجهاد، ويُعرف الصابرون، وتنكشف حقيقة الثبات. أمّا عالم الغيب فهو العمق الذي يعطي هذه الأفعال قيمتها. فالعمل في ظاهره قد يكون واحدًا، لكن درجته تختلف باختلاف النيّة والمقصد والوجهة. لذلك لا يصبح الجهاد جهادًا حقًا إلا إذا اتصل القلب بالله، ولا تصير التضحية شهادة إلا إذا كان صاحبها قد خرج من سلطان نفسه ودنياه.
ولهذا يحتاج المربّي إلى أن يساعد الناشئة على فهم هذه الثنائية من غير تهويل ومن غير تبسيط. فالطفل أو الفتى قد يرى صورة الخراب أو يسمع خبر الاستشهاد فيرتبك، وقد يسأل: لماذا يموت الطيبون؟ ولماذا يتألم الأبرياء؟ هنا لا تكفي الأجوبة الجاهزة. يحتاج الطفل إلى حضن آمن، وإلى لغة صادقة، وإلى شرح يناسب عمره، وإلى تأكيد أنّ الحزن طبيعي، وأنّ البكاء لا يناقض الإيمان، وأنّ الله لا يضيع صدق الصادقين.
ومن هنا نفهم سرّ افتتاح كثير من النصوص القرآنية والإيمانية بالانتقال من ظاهر الفعل إلى باطنه. فالله تعالى يقول: ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ﴾[1]. هذه الآية لا تطلب مجرّد جهد خارجي، إنّما تدعو إلى جهاد يبلغ حقّه، أي إلى فعل يوافق باطنه ظاهره، وتكون غايته الله، لا النفس، ولا طلب السمعة، ولا الانفعال العابر.
وفي زيارة الجامعة الكبيرة نخاطب أئمة أهل البيت عليهم السلام: «وجاهدتم في الله حقّ جهاده». وفي زيارة أمير المؤمنين عليه السلام: «أشهد أنّك جاهدتَ في الله حقّ جهاده»[2]. وفي زيارة الإمام الحسين عليه السلام: «وجاهدتَ في الله حقّ جهاده». إنّ تكرار هذا التعبير في مقامات الزيارة ليس تفصيلًا لغويًا، إنّه كشف لمقام الجهاد حين يصدر عن قلب إلهي.
فبهذا الفهم، لا يكون الغيب عالمًا بعيدًا عن الشهادة، بل إنّه سرّها وعمقها. وما يقع في الشهادة لا يبلغ حقيقته إلا إذا اتصل بالغيب. فالشهادة صورتها ليست عبارة عن سقوط الدم وحده، والنصر لا يُفهم من النتيجة وحدها. كلّ ذلك يحتاج إلى بصيرة ترى ما وراء الصورة: صدق النيّة، وحضور الله، وتحوّل القلب، وقيام الإنسان لله.
حين يقول القرآن: ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ﴾، فهو لا يكتفي بطلب الجهاد، إنّما يطلب بلوغ حقّه. وحقّ الجهاد هو كماله: أن يُبذل الجهد، وأن تصفو النيّة، وأن يثبت القلب، وأن لا يكون في باطن الإنسان سبب خفيّ يزاحم الله.
قد يكون الجهاد قتالًا، وقد يكون صبرًا، وقد يكون ثباتًا في وجه الظلم، وقد يكون مقاومة للنفس والهوى، وقد يكون دفاعًا عن الحقيقة حين تتكاثر عليها الأباطيل. وهذه الصور كلها لا تبلغ مقامها الأعلى إلا بالإخلاص. لذلك قيل في حقّ الجهاد إنّه الطاعة بلا معصية، ومجاهدة أهواء النفس، والصدق في مواجهة الباطل، والصبر من غير طمع دنيوي.
إن التربية الإيمانية هنا لا تخاطب المقاتل وحده بل تخاطب البيت أيضًا: الأم التي تضبط خوفها كي لا يتحوّل إلى ذعر في قلوب أولادها، والزوجة التي توازن بين حزنها وحاجة أطفالها إلى الأمان، والمربي الذي يحوّل الحديث عن التضحية إلى درس في الصدق والمسؤولية، لا إلى خطاب قاسٍ يربك وجدان الصغار.
إنّ الإنسان لا يملك قلبين في جوفه. وقد قال تعالى: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِّن قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ﴾[3]. لذلك لا يمكن للقلب أن يكون موزعًا بين الله والهوى، بين الحق والذات، بين الشهادة والغنيمة. فإذا توحّد القلب في جهة الله، صار الجهاد صادقًا. وإذا تفرّق القلب في الجهات، ضعف الفعل وإن بدا كبيرًا في ظاهره.
ومن هنا نفهم دعاء الإمام السجاد عليه السلام لأهل الثغور حين يسأل الله أن يمحو عن قلوبهم خطرات المال، وأن ينسيهم عند لقاء العدو ذكر دنياهم الخدّاعة الغرور. فالمعركة لا تبدأ عند خط النار وحده، إنّها تبدأ في القلب. فإذا بقيت الدنيا حاضرة في القلب عند لحظة الامتحان، ضعفت الهمّة. وإذا غاب سلطان الدنيا، حضر الله، وحين يحضر الله يثبت الإنسان.
وإن ومن عوامل بلوغ حقّ الجهاد شدّة المشقّة. فليس الجهاد في الرخاء كالجهاد في العسر، ولا الثبات حين تكون النتائج مضمونة كالثبات حين يحيط الخطر من كل جهة. ولذلك قال تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَـٰئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً﴾[4]. فالعمل قبل الفتح أثقل، لأنّه يقع في زمن الخوف، وقبل وضوح النتائج، وحين يكون الإيمان هو السند الأرسخ.
ومن عوامله أيضًا أن لا يخاف المجاهد لومة لائم. قال تعالى: ﴿يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ﴾[5]. فالملامة قد تكون سلاحًا خفيًا لكسر الإرادة. قد يثبّت العدو في الخارج جبهة القتال، وتأتي الملامة من الداخل لتثبّت جبهة الوهن. لذلك كان من صفات أهل الجهاد الحق أنّهم لا يتركون الحق خوفًا من كلام الناس، ولا يبدّلون موقفهم حين يكثر اللوم، ولا ينظرون إلى الطريق من خلال رضا الجمهور.
هنا يصبح الجهاد سيرًا تربويًا وروحيًا. فالمؤمن لا يواجه خارجًا فقط، إنّه يطهّر داخله أيضًا. يواجه الخوف، وحبّ السلامة، وطول الأمل، والتعلّق بالدنيا، والرغبة في الظهور. وكلما انتصر على هذه الحجب، اقترب من مقام الشهادة. فالشهادة ليست لحظة منفصلة عن السلوك، إنّها ثمرة طريق طويل من تصفية القلب وتوحيد الوجهة.
الشهادة في صورتها الأولى موجعة ولا يصح انتزاعها من حزن الأمهات والزوجات، ولا من وجع البيوت، ولا من دموع الأحبة. فالشهيد إنسان له اسم ووجه وذاكرة وأحلام وعلاقات. ومن لا يرى هذا الجانب الإنساني يقع في تجريد بارد لا يليق بكرامة الشهادة، ولا يساعد أهلها على حمل الفقد بطريقة سليمة. لهذا تحتاج الأمهات والزوجات، كما يحتاج الأبناء، إلى خطاب يراعي هذا الوجع. ليس من التربية أن نقول للطفل: لا تبكِ. وليس من الوفاء أن نحاصر الزوجة بصورة صبر قاسية تمنعها من التعبير عن حزنها. الوفاء الأعمق أن نساعد البيت على أن يظل بيتًا: فيه صلاة، وذكر، وعمل، وحديث صادق، وفسحة للدموع، وفسحة للحياة أيضًا.
لكن الشهادة، مع كل وجعها، لا تتوقف عند هذا الحد. فالقرآن يفتح بابًا آخر حين ينهى عن القول بموت من قُتل في سبيل الله. إنّ النهي هنا ليس نهيًا عن لفظ فقط، إنّه نهي عن قراءة ناقصة. لا تنظروا إليهم من جهة الغياب وحده، لأنّ الغياب الذي ترونه لا يفسّر الحقيقة كلها. الجسد غاب، غير أنّ الحياة لم تنقطع.
ومن هنا، الشهيد ليس غائبًا بمعيار العدم. إنّه حاضر في الغيب والوعي، والطريق الذي فتحه بدمه. لهذا تحمل كلمة الشهيد صلة بالشهود. فهو شاهد على الله، وشاهد على الحق، وشاهد على زيف الدنيا حين تستعبد الإنسان، وشاهد على أنّ الروح إذا اتصلت بالله صارت أوسع من كل شيء.
وفي هذا الإطار، يمكن للأم أن تجعل ذكر الشهيد بابًا لتربية الأبناء على الرحمة لا على القسوة، وعلى الصلاة لا على الحقد، وعلى خدمة الناس لا على الانغلاق. ويمكن للزوجة أن تحفظ حضوره في البيت من خلال سيرة صادقة، لا من خلال حزن دائم يخنق الأطفال. إنّ الطفل يحتاج أن يعرف أن أباه أو أخاه أو قريبه كان محبًا لله، صادقًا، رحيمًا، صاحب مسؤولية، لا صورة بعيدة لا يستطيع الاقتراب منها.
وفي هذا الفهم، قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «فوق كل ذي برّ برّ حتى يقتل في سبيل الله، فإذا قتل في سبيل الله فليس فوقه برّ». فهذه الكلمة لا ترفع الشهادة لأنها موت، إنّما لأنها بذل كامل. ففي سائر أعمال البرّ يبقى للإنسان شيء من نفسه أو ماله أو وقته، أما في الشهادة فيقدّم نفسه كلها. ولذلك كانت الشهادة نهاية من جهة الجسد، وتمامًا من جهة العبودية.
ومن هنا أيضًا نفهم أنّ الشهادة لا تُقاس بالغلبة والهزيمة في ميادين القتال وحدها. فالمعركة لها نتائج ظاهرة، أما الشهادة فلها مقام غيبي. فقد يربح جيش موقعة ويفقد وجهته، وقد يُقتل وليّ في ساحة المعركة ويؤسس بقتله حياة أمة. وهكذا كانت كربلاء: في ظاهرها قتل وسبي ووحشة، وفي حقيقتها كشف للباطل، وفتح لباب الوعي، وولادة لمعيار أخلاقي لا يزال حاضرًا.
إن الشهادة، إذن، تغيب عن العين التي لا ترى إلا الجسد، وتشهد للحقيقة عند من يرى بالبصيرة. من يقرأها بعين الدنيا يقول: مات. ومن يقرأها بعين القرآن يقول: حيّ عند ربه. ومن يقرأها بعين العرفان يقول: وصل إلى مقام صارت فيه حياته لله، وموته لله، وحضوره بعد الغياب أبلغ من حضوره في الحياة العابرة.
الشهادة فيض إلهي، ولا ينال الفيض إلا من صار أهلًا له. وقد ورد في الحديث أن من سأل الله الشهادة بصدق، بلّغه الله منازل الشهداء وإن مات على فراشه. وهذا يكشف أن الشهادة تبدأ من الصدق قبل أن تقع في الميدان، وأنّ مقامها يتكوّن في الحياة المعنوية للقلب .
أول شروط الشهادة أن يخرج الإنسان من عبودية الدنيا. لا يعني الزهد أن يكره الإنسان الحياة، فالحياة ميدان العمل، ومسجد أولياء الله، ومزرعة الآخرة. لكن الزهد يعني أن لا تصير الدنيا إلهًا خفيًا يتحكم بالقرار، وأن لا تكون السلامة أغلى من الحق، وأن لا يكون البقاء الجسدي أعلى من الكرامة.
قال تعالى: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا﴾[6]. فالآخرة لأهل القلوب التي تحررت من طلب العلو. والشهيد هو الإنسان الذي لم يبع روحه بمكاسب الدنيا، ولم يجعل عمره ثمنًا للخوف، ولم يظن أن ما يجمعه الناس أعظم مما عند الله.
ولهذا قال تعالى: ﴿وَلَئِن قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ﴾[7]. فالآية تعيد ترتيب الميزان: ما يجمعه الناس شيء، وما يناله الإنسان عند الله شيء آخر. ومن رأى هذا الميزان بعين اليقين، صار الموت في سبيل الله بابًا إلى الرحمة، لا فناءً عبثيًا.
ومن جهة التربية، الزهد لا يُعلَّم للأبناء عبر تحقير الحياة، وإنما عبر ترتيب الأولويات: أن نحب الحياة من جهة كونها موضعًا للطاعة والخدمة، وأن لا نجعل الخوف على الراحة سببًا للتخلّي عن الحق. هنا تستطيع الأم أن تربّي أبناءها على البساطة، والصدق، وخدمة الناس، وأن تعلّمهم أن الكرامة لا تُشترى، وأن الإنسان لا يكبر بما يملك، إنما يكبر بما يختار.
لا يمكن فهم الشهادة في الوعي الاسلامي في مدرسة أهل البيت عليهم السلام من دون عاشوراء. فقد أعادت كربلاء تعريف النصر والهزيمة، وعلّمت المؤمنين أن المعيار ليس البقاء الجسدي وحده، إنما حفظ الحق في لحظة اشتداد الباطل. قال الإمام الحسين عليه السلام في نهضته ما يفيد أنّه لم يخرج طلبًا للفساد ولا للظلم، وإنما خرج لطلب الإصلاح. فالشهادة الحسينية لم تكن رغبة في الموت، إنما كانت دفاعًا عن حياة تحفظ الحق والعدل والكرامة.
عاشوراء هي المدرسة التي تعلّم أن الدم إذا خرج لله صار بيانًا، وأنّ القتل إذا وقع في طريق الحق صار كشفًا، وأنّ الهزيمة العسكرية قد تتحول إلى انتصار قيمي حين يحفظ الإنسان وجهته ولا يساوم. ولهذا بقي الحسين عليه السلام حيًا في وجدان الأمة، وبقي قاتلوه أسرى العار، مع أنهم غلبوا في ظاهر الواقعة.
ومن يتربى على عاشوراء يفهم أن الشهادة ليست انفعالًا، إنّها بصيرة. ليست اندفاعًا إلى الموت، إنّها وفاء للحق حين تضيق السبل أمام حفظه. ومن هنا صارت عاشوراء معينًا لا ينضب لصناعة الوعي، لأنها تنقل الإنسان من سؤال: كيف أنجو وحدي؟ إلى سؤال: كيف أكون مع الحق؟
وهنا يقع دور الأمهات والزوجات في حفظ عاشوراء داخل البيت بلغة حيّة رحيمة. لا يكفي أن يسمع الطفل قصة كربلاء بوصفها مأساة دامعة فقط، يحتاج أيضًا أن يرى فيها الصدق، والشجاعة، والوفاء، وحماية الضعفاء، والوقوف مع المظلوم، والصلاة في أصعب اللحظات. بهذا تتحول عاشوراء إلى مدرسة لتربية الضمير، لا إلى ذاكرة حزن فقط.
الشهداء ليسوا ذكرى موسمية. إنّهم مربّون للأحياء. وصاياهم، وسيرهم، وصدقهم، وبساطة لغتهم، وقدرتهم على رؤية الآخرة وسط ضجيج الدنيا، كلها عناصر تربية روحية. فمن اقترب من الشهداء تعلّم كيف تتغير مقاييس الإنسان حين يصدق مع الله.
إنّ الارتباط بالشهداء لا يعني الاكتفاء بالعاطفة تجاههم. دلالته أن يقترب الإنسان من روحهم: من إخلاصهم، وزهدهم، وشجاعتهم، وخوفهم من التقصير، وحبهم لله، وحنينهم إلى لقاء الحق. فإذا صار هذا الارتباط تربية للنفس، صار الإنسان أقرب إلى مقامهم، ولو لم يُكتب له أن يُقتل في الميدان.
وقد ورد عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «من سأل الله الشهادة بصدق، بلّغه الله منازل الشهداء وإن مات على فراشه»[8]. هذه الرواية تجعل الصدق أصلًا في الشهادة. فقد يموت الإنسان في فراشه، لكن قلبه يكون قد عاش شهيدًا. وقد يدخل الإنسان المعركة بجسده، ولا يبلغ مقام الشهادة إن لم يكن قلبه لله. فالعبرة في الباطن، والظاهر يكشف ما في الباطن أو يمتحنه.
وفي البيت، يمكن للارتباط بالشهداء أن يأخذ صورًا تربوية هادئة: قراءة وصية شهيد بلغة تناسب عمر الأبناء، الدعاء له، زيارة عائلته، القيام بعمل صالح باسمه، حفظ صوره من أن تتحول إلى مشهد بكاء دائم، وربط ذكراه بالرحمة والعمل وخدمة الآخرين. فالذاكرة حين تُربّى تصبح نورًا، وحين تُترك من غير رعاية قد تتحول إلى جرح مفتوح.
الشهادة تحتاج إلى عزم إذ لا تكفي الرغبة والعاطفة أو الحماس. العزم هو أن يثبت القلب حين يشتد الخوف، وأن تبقى الإرادة مستقيمة حين تتكاثر المغريات. وقد قال تعالى: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ﴾. والاستقامة مقام ثقيل، لأنها تعني الثبات على الطريق لا في لحظة الصفاء فقط، إنما في لحظة التعب والخذلان والضغط. وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُم بِوَاحِدَةٍ أَن تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَىٰ وَفُرَادَىٰ﴾[9]. فالقيام لله قد يكون جماعيًا، وقد يكون فرديًا، وقد يجد الإنسان معه أنصارًا، وقد يقف وحيدًا. لكن القيمة في أن يكون القيام لله.
ومن هنا، الشهيد هو صاحب إرادة عالية. جسّد في نفسه انتصار الدم على السيف، وانتصار الإرادة على وساوس الشيطان، وانتصار العبودية على حب الذات. لذلك لا تبدأ الشهادة من ساحة القتال، إنّها تبدأ من تربية العزم، ومن تهذيب القلب، ومن تعلّم الاستقامة في تفاصيل الحياة اليومية.
وتربية العزم في البيوت لا تكون بالصراخ ولا بالتخويف. تكون بتعويد الأبناء على تحمّل المسؤولية الصغيرة، واحترام الوعد، والقيام بالواجب، والصلاة في وقتها، وخدمة الأهل، وضبط اللسان، ومساعدة الضعيف. هذه التفاصيل تبدو عادية، لكنها تصنع في الطفل أصل الثبات. ومن لا يتربى على الصدق في الصغير، يصعب أن يثبت في الكبير.
إذا كانت الشهادة لا يدركها الحسّ كاملة، فإنّ النصر أيضًا له باطن لا يظهر دائمًا في لحظته. كثيرًا ما يظن الناس أن النصر هو ما يحدث في نهاية المعركة فقط، غير أنّ القرآن يربط النصر بالصبر والثبات والقيام لله.
قال تعالى: ﴿كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ﴾[10]، ثم يربط ذلك بالصبر: ﴿وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾. فالغلبة ليست عددًا فقط، ولا عدّة فقط، ولا ظاهر قوة فقط. هناك إذن الله، وهناك الصبر، وهناك القلب الذي لا ينهار. وحين يكون الله مع الصابرين، يصبح القليل قادرًا على حمل قضية أكبر من عدده.
والنصر يبدأ من الداخل. أن ينتصر الإنسان على الخوف نصر. أن يثبت أمام التهديد نصر. أن لا يتنازل عن الحق حين تضيق الأرض نصر. أن يحفظ المجتمع معنى الكرامة وسط الجراح نصر. هذه الانتصارات الداخلية هي التي تفتح الطريق للنصر الظاهر، أو تحفظ البوصلة حين يتأخر ظهوره.
هنا يظهر الدور التربوي للأمهات والزوجات من جديد. فالبيت قد يكون أول موضع يظهر فيه النصر أو الوهن. حين تحفظ الأم هدوءها النسبي أمام الأطفال، من غير أن تزيف مشاعرها، فهي تمارس نصرًا تربويًا. وحين تقول الزوجة لأبنائها: نحن نحزن، ونشتاق، وندعو، ونكمل الطريق بالعمل الصالح، فهي تزرع فيهم قدرة على الجمع بين الحنان والثبات. وحين لا يتحول البيت إلى مكان للكراهية العمياء، ولا إلى فضاء للانهيار الدائم، يكون قد حفظ واحدة من أهم جبهات التربية.
من هنا نفهم كيف تكون الشهادة نفسها نصرًا. الشهيد قد لا يرى ثمرة دمه بعينه، لكنه يشهدها في الغيب. وقد لا تظهر آثار شهادته فورًا، لكنها تدخل في وجدان الجماعة، وتحرّك الذاكرة، وتعيد تعريف الكرامة. الشهادة لا تنهي الطريق، إنّها تنقل المسؤولية إلى الأحياء. وكلما حمل الأحياء وصية الشهيد بصدق، صار دمه حاضرًا في الفعل، لا في الرثاء فقط.
ولذلك لا يكون النصر في العرفان الشيعي لحظة غلبة عابرة. إنّه شهود للحقيقة. أن يرى الإنسان أن وعد الله أصدق من وعد الدنيا، وأن يرى أن الدم الذي يُبذل في سبيل الحق لا يضيع، وأن يرى أن الوجود لا تقرره القوة المادية وحدها. عندئذٍ يصبح النصر مقامًا قبل أن يكون نتيجة، وبصيرة قبل أن يكون حدثًا.
تبلغ العلاقة بين الغيب والشهادة ذروتها في الأفق المهدوي. فالإيمان بالإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف ليس انتظارًا ساكنًا، إنّما هو انتظار مملوء بالعمل، والتهيؤ، وتربية النفس، وإعداد المجتمع للعدل. فالظهور المبارك ليس حدثًا سياسيًا فقط، إنّه تحوّل شامل في القلوب والعالم.
وقد ورد عن أمير المؤمنين عليه السلام في وصف ذلك التحول: «يعطف الهوى على الهدى إذا عطفوا الهدى على الهوى، ويعطف الرأي على القرآن إذا عطفوا القرآن على الرأي»[11]. هذه العبارة تكشف جوهر النصر المهدوي: أن يعود الهوى خاضعًا للهدى، وأن يعود الرأي تابعًا للقرآن، وأن يُعاد ترتيب العالم وفق الحق، لا وفق شهوات القوة.
في هذا الأفق، تصبح الشهادة جزءًا من التمهيد. فالشهيد لا يقدّم نفسه لحظة منفصلة عن التاريخ، إنّما يشارك في صناعة قابلية الأمة للعدل. دمه يطهّر الوعي من الخضوع، ويوقظ الحسّ بالمسؤولية، ويعلّم الناس أن الطريق إلى الحق يحتاج إلى بذل، لا إلى شعارات فقط.
غير أنّ التمهيد لا يكتمل بالشهادة وحدها. يحتاج إلى علم، وثقافة، وتربية، وعدل، وعمل صالح، وحفظ للمعارف الإلهية من الإفراط والتفريط. فدم الشهيد يفتح الطريق، والأحياء يُمتحنون في حفظه. والنصر المهدوي لا يتحقق بمجرد الحماسة، إنّما بإقامة حياة أقرب إلى الحق، وأبعد عن الجاهلية، وأكثر قدرة على حمل العدالة.
وهنا تتضح مسؤولية الأمهات والزوجات في الأفق المهدوي. فهنّ لا يحملن الذاكرة فقط، إنّهنّ يربّين الجيل الذي سيحملها. والبيت الذي تملؤه الصلاة، والصدق، والنظافة الروحية، وحسن الكلام، ورعاية الصغار، واحترام الكبير، وخدمة الناس، هو بيت يشارك في التمهيد، حتى لو لم يرفع شعارًا كبيرًا. إنّ التمهيد يبدأ من الطفل الذي يتعلّم أن يقول الحق، ومن الفتاة التي تتربى على الكرامة، ومن الأسرة التي لا تبيع دينها للخوف أو المصلحة.
إذن، في ضوء ثنائية الغيب والشهادة، لا يعود الاستشهاد حادثة موت فحسب، ولا يعود النصر نتيجة ميدانية فحسب. الاستشهاد عبور من ظاهر الجسد إلى باطن الحياة، والنصر ظهور لحقيقة الثبات بعد امتحان الجراح.
الشهيد يغيب عن العين، لكنه يشهد في القلب والتاريخ. يرحل جسده، لكن أثره يبقى. يُفقد كإنسان محبوب، لكنه يحضر كوصية وطريق ومسؤولية. ومن هنا لا تكون الشهادة خروجًا من الحياة، إنّما دخولًا في حياة أوسع، حياة لا تُقاس بأنفاس الجسد، إنّما بصدق القرب من الله.
أما النصر، فهو أن تنكشف هذه الحقيقة. أن يُرى أن الدم لم يضع، وأن الصبر لم يكن عبثًا، وأن الثبات لم يكن عنادًا، وأن التضحية لم تكن خسارة. النصر هو شهود ما كان مستورًا في الغيب: أن لله سننًا لا تُقاس بعجلة الناس، وأن الحق قد يُمتحن بالدم، لكنه لا يموت، وأن الشهيد حين يغيب في عالم الشهادة، يفتح بابًا من أبواب الحضور في عالم الغيب.
وفي هذا الطريق، تبقى الأمهات والزوجات حارسات الوجدان. فبأيديهنّ يتحول الحزن إلى تربية، والذاكرة إلى نور، والبيت الجريح إلى موضع طمأنينة. ولسن مطالبات بأن يخفين الدمع، ولا بأن يحملن فوق طاقتهن، إنما بأن يصنّ العلاقة بالله، وأن يفتحن للأبناء باب السؤال والدعاء والعمل، وأن يحفظن صورة الشهيد من الانغلاق في الحزن وحده.
لذلك يمكن القول إنّ الشهادة غيب من جهة الحسّ، وشهود من جهة الحقيقة.
والنصر شهادة متأخرة على صدق ذلك الغيب.
وبين الغيب والشهادة يتحرك المؤمن: يعمل في الظاهر، ويقصد الله في الباطن، ويعلم أن ما كان لله لا يضيع، وإن توارى عن العيون زمنًا.
[1] سورة الحج - الآية 78.
[2] المشهدي، المزار الكبير، ص416.
[3] سورة الأحزاب، الآية 4.
[4] سورة الحديد، الآية 10.
[5] سورة المائدة ، الآية 54.
[6] سورة القصص، الآية 83.
[7] سورة آل عمران، الآية 157.
[8] بحار الأنوار، ج67، ص201.
[9] سورة سبإ ، الآية 46.
[10] سورة البقرة، الآية 249.
[11] نهج البلاغة، الخطبة 138.
تعليقات