التمهيد والانتظار: خطوات في البناء الحضاري
بينما نحتفي بذكرى ميلاد منقذ البشرية وموعود السماء، الإمام المهدي عجل الله فرجه، نتوقف ليس فقط للاحتفاء بمناسبة عابرة، بل لنتأمل معنى أن نكون من أتباع هذا المشروع الإلهي الكبير. إنها لحظة لفحص علاقتنا الحقيقية بفكرة الانتظار، التي كثيراً ما نتغنى بها، وقلّما نختبر عمق مسؤولياتها.
لقد بشّرت الرسالات السماوية بوعد إلهي لا ريب فيه: دولة الحق التي ستقيم العدل حيث فشلت كل النظم الأرضية، وستحمي المستضعفين في كنفها، وتمحو آثار حكم الطغاة والجبابرة الذين ملأوا الدنيا ظلماً وفساداً. هذا الوعد ليس حلماً خيالياً، بل هو يقين إيماني يمنح التاريخ معناه النهائي، ويمنح نضالنا ضد الظلم مشروعيته وغايته.
وفي قلب هذا اليقين، يبرز سؤال جوهري للشباب المؤمن خاصة: ما الذي يعنيه عملياً أن ننتسب إلى اسم الإمام المهدي ونعلن أنفسنا من أنصاره؟ هذا الانتساب شرف عظيم، ولكنه في الوقت ذاته "ادعاء" كبير، ينقلنا من دائرة المشاهدة إلى ساحة المسؤولية. إنه تحويل للانتظار من حالة انفعالية ساكنة، إلى موقع فاعل يفرض علينا أن نسأل: كيف يمكن أن نكون على مستوى هذه الدعوى؟ وكيف نترجم انتسابنا النظري إلى برنامج عملي واضح المعالم في حياتنا اليومية واختياراتنا المصيرية؟
تبدأ المسؤولية الأولى للشباب المؤمن تجاه الإمام المهدي من نقطة جوهرية وغائبة أحياناً: المعرفة . فكيف يُعقل أن ننتظر شخصاً لا نعرفه حق المعرفة؟ كيف ننصره إن لم ندرك حجم المهمة التي يحملها؟ الانتظار الجاد لا يقوم على عاطفة غامضة، بل على فهم واعٍ لمن ننتظر ولمَ ننتظره.
فالإمام المهدي عجل الله فرجه ليس رمزاً تاريخياً فحسب، بل هو "الحجة" ، وهو مفهوم عميق يحمل دلالتين مترابطتين:
إن كون الإمام "حجة" يعني أن طريقنا – نحن المنتسبين إليه – يجب أن يكون واضحاً هو الآخر. لا يمكن أن يكون المنتظر حائراً في قيمه أو مضطرباً في اتجاهاته. فطريق الإمام هو المرآة التي تعكس حجيته للعالم. هذا الطريق ليس نظرياً فقط، بل هو عملي ملموس:
فهو طريق الالتزام العملي بولاية أهل البيت عليهم السلام، والاقتداء بسيرتهم. وهو طريق العمل بمنهج القرآن والسعي لإقامة عدله في حياتنا الشخصية والاجتماعية. كما أنه طريق العبودية الخالصة لله، المتمثلة في الصلاة والدعاء والتقرب إليه. وهو، في الجوهر، طريق السعي لتحقيق الأهداف الكبرى التي يجيء الإمام من أجلها: إظهار الحق، ونشر العدل، ومقاومة الظلم والفساد في كل مكان .
وبالتالي، فإن "الحجة" ليست صفة سلبية، بل هي صيغة تحدي وإلزام. فهي تفرض علينا أن نسأل أنفسنا باستمرار: هل قيمي وأخلاقي وعملي تتماشى مع هذا المنهج الواضح؟ هل يمكن للآخرين أن يروا في سلوكي انعكاساً للطريق الذي يمثله الإمام؟ المعرفة الحقيقية بالإمام تدفعنا لاكتساب هذه البصيرة، وتجعل من حياتنا كلها جهداً لترجمة "الحجة" النظرية إلى "طريق" عملي يمكن الاقتداء به.
وهنا يكشف لنا الحديث عن الإمام العسكري عليه السلام عمق هذه العلاقة، مؤكداً أنها ليست خياراً ثانوياً، بل هي مسألة حياة أو موت روحي ومعنوي، حيث روي عنه أنه قال "إن الأرض لا تخلو من حجة الله على خلقه، وإن من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية". ثم قال: "إن هذا حق كما أن النهار حق". فقيل: يا ابن رسول الله، فمن الحجة والإمام بعدك؟ فقال: "ابني محمد هو الإمام والحجة بعدي، فمن مات ولم يعرفه مات ميتة جاهلية"[1]، وهذا الحديث يضع المعرفة في صلب الهوية الإيمانية ذاتها. والمقصود بالجهالة هنا ليست عدم العلم القرائي، بل هي الضياع في متاهات الفكر والانتماء، والافتقاد للبوصلة التي تحفظ للإنسان اتجاهه في رحلته نحو الله.
ومن هذه المعرفة ينشأ حق آخر لا ينفصل عنها، هو حق الطاعة. فمعرفة الإمام الحقيقية لا تترك المرء في مقام المشاهد المتعجب، بل تجذبه إلى موقع التابع المنفذ. وكما أن الشمس في كبد السماء تستدعي من الأرض أن تستقبل أشعتها وتستنير بها، فكذلك الإمام المهدي، الذي شبهته الروايات بالشمس الوضاءة، يفرض على قلوب المؤمنين أن تنفتح لهديه وتتجه نحو نور قيادته. فالطاعة هنا ليست انقياداً أعمى، بل هي ثمرة طبيعية للمعرفة، وتعبير عملي عن الاقتناع بضرورة هذا النور في ظلمة الدنيا.
غير أن السؤال المُلحّ الذي يطرح نفسه في زمن الغيبة، حيث تحجب السحاب رؤية الشمس مباشرة، هو: كيف تتحقق هذه الطاعة العملية؟ وكيف نميّز خطواتنا في عالمٍ تغيب فيه القيادة الحسية، بينما تتعاظم فيه قوى الظلم والطغيان عبر التاريخ، من دولة أموية وعباسية وعثمانية إلى أشكال الهيمنة الاستكبارية المعاصرة بكل ما تملكه من أدوات المال والقوة والإعلام؟
لقد أجاب الإمام المهدي عجل الله فرجه بنفسه على هذا السؤال الحيوي، وترك للمؤمنين منهجاً واضحاً للتعامل مع "الحوادث الواقعة"، أي مع متغيرات الزمان وتعقيدات الحياة. فكما أنه هو الحجة البالغة من الله على خلقه، فقد جعل من العلماء الربانيين، الحافظين لسنّة جده وآبائه الطاهرين، "حجته" الخاصة على شيعته في عصر الغيبة. فقد ورد عنه عجل الله فرجه: "وأما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا، فإنهم حجتي عليكم وأنا حجة الله"[2]. وهنا تتجلى عظمة المنهج: فالحاجة إلى القيادة والمرجعية لا تنقطع، بل تنتقل من حضور شخصي إلى نظام علمي وروحي يمثله أولئك العلماء الذين يغوصون في أعماق التراث النبوي والإمامي ليستخرجوا منه الحكمة العملية والواجب المطلوب في كل عصر. فالرجوع إليهم والتزام توجيهاتهم ليس مجرد خيار من بين خيارات، بل هو من حقوق الإمام علينا، وهو السبيل العملي لتحقيق طاعته في الزمان الذي غاب عنا فيه شخصه الشريف، ولكن لم يغب عنا نور هديه ومنهجه.
عن الإمام الباقر عليه السلام سُئل: "ما حق الإمام على الناس؟ ما حقه علينا؟" فقال الإمام الباقر: "حقه عليهم أن يسمعوا له ويطيعوا"[3]. فمن واجباتنا في عصر الغيبة الكبرى الذي نعيشه الآن، وقبل ظهور الإمام المهدي، العودة إلى العلماء الشجعان والفقهاء الذين يتحلون بالتقوى والرحمة، وأيضاً عندهم العلم والمعرفة، وعندهم القوة والبأس، ويستطيعون بحكمتهم وبصيرتهم أن يحددوا وظيفة الإنسان في هذا الزمان المعاصر.
لذلك، يطرح زمن الغيبة سؤالاً عملياً محرجاً: كيف نترجم طاعة الإمام إلى خطوات ملموسة في واقعنا المعقد؟ الجواب، كما رسمه الإمام نفسه، هو الارتباط الوثيق بالعلماء العدول، أولئك الذين جعلهم "حجته" على الناس. إن طاعة أولئك العلماء الفقهاء، المتصفين بالتقوى والشجاعة والحكمة، ليست انحيازاً مذهبياً فحسب، بل هي الآلية الشرعية والعملية لفهم متطلبات العصر وتحديد الوظيفة المطلوبة من كل فرد في زمن غيبة ولي الأمر. فهم الخريطة التي تحفظ الأمة من الضياع في متاهات الآراء الشخصية والأهواء المتناقضة.
وغياب هذه المرجعية الموحدة يؤدي حتماً إلى التشتت. فبدلاً من أن تتجه طاقات الشباب المؤمن نحو هدف واحد كبير، تتبدد في مشاريع صغيرة متعارضة، أو تتحول إلى ردود أفعال عاطفية غير محسوبة. أما عندما تتوحد الجهود تحت توجيه حكيم، فإنها تتحول إلى قوة هائلة قادرة على البناء والصمود. وهنا يبرز دور الرؤى الحضارية الكبرى التي يطرحها العلماء المجاهدون، والتي تتجاوز رد الفعل على الأزمات إلى بناء الذات وتمكين المجتمع وخلق نموذج إنساني قادر على مواجهة تحديات العصر.
إنّ هذا المشروع التمهيدي الكبير لا يمر في فراغ، بل يجابه حملة مضادة شرسة تهدف إلى نسف أسسه النفسية قبل المادية. فالقوى المعادية تدرك جيداً أن سرّ صمود هذه الأمة ونهوضها يكمن في ذلك الأمل العميق المتجذر في قلوب أبنائها، الأمل بغدٍ أفضل وعدلٍ منتظر. لذا فهم يشنون حرباً نفسية ومعنوية لا هوادة فيها، مستخدمين كل أدوات الإعلام والتأثير لنزع هذا الأمل.
تتخذ هذه الحرب أشكالاً عديدة: فهي تارةً حملات تشويه وتضليل لتشويش الصورة الذهنية عن العقيدة المهدوية نفسها، وتارةً أخرى بثّ سرديات الهزيمة والاستحالة عبر تضخيم التحديات وإخفاء الإنجازات. وهي لا تتردد في استخدام العنف المباشر لتحقيق نفس الهدف: كسر الإرادة. فاغتيال القادة والعلماء، وتدمير البيوت، وزرع الرعب، كلها أدوات لتوصيل رسالة واحدة: "أنتم ضعفاء، ومشروعكم محكوم عليه بالفشل". إنهم يريدون تحويل الأمل الذي يحركنا إلى يأس يشلّنا، لأن اليائس لا يبني حضارة، ولا يدافع عن حق، ولا ينتظر غداً.
فالمواجهة الحقيقية، إذن، ليست على الأرض فحسب، بل هي داخل النفس أولاً وأخيراً. إنها معركة لإبقاء جذوة الأمل متقدة في القلوب رغم كل العواصف. وهذا ما يجعل من الانتظار الإيجابي، المبني على العمل والدعاء والبناء، أعظم ردّ على محاولاتهم اليائسة. فالذي يعمل من أجل غدٍ يثق أنه آتٍ، لا يمكن أن يستسلم لليوم.
في مواجهة هذا الحصار النفسي، يظهر الدعاء ليس كوسيلة للهروب من الواقع، بل كسلاح استراتيجي فعال. فالإصرار على دعاء "اللهم عجل لوليك الفرج" هو فعل مقاومة بحد ذاته. إنه تصريح يومي بالرفض: رفض لليأس، رفض للاستسلام، ورفض لفكرة أن الغد محتوم بالظلم. هذا الدعاء هو تجديد للعهد مع الإمام، وتأكيد على أن القلب ما زال ينبض بشوق الانتظار، والعقل ما زال يرفض كل بدائل الباطل. إنه الذي يحول الانتظار من حالة سلبية إلى نشاط روحي دائم، ويذكرنا بأن الاستعداد لنصرة الإمام يبدأ باستمرار صلته بنا عبر مناجاته والتماس العون منه.
وتأتي وصية الإمام الصادق عليه السلام لزرارة في زمن الاشتباه والغيبة لتؤسس لهذا الدعاء على قاعدة متينة. فلم يوجهه مباشرة إلى دعاء التعجيل فقط – وإن كان ذلك مهماً – بل بدأ بتعليمه دعاء المعرفة: " اللهم عرفني نفسك فانك ان لم تعرفني نفسك لم اعرف نبيك اللهم عرفني رسولك فانك ان لم تعرفني رسولك لم اعرف حجتك اللهم عرفني حجتك فانك ان لم تعرفني حجتك ضللت عن ديني ". إنها خريطة طريق روحية توضح أن الانتظار الحقيقي مبني على معرفة راسخة، تبدأ بمعرفة الله، ثم رسوله، ثم حجته. فالدعاء بتعجيل الفرج يصبح عندئذٍ تعبيراً طبيعياً عن قلب عارف، لا مجرد ترديد كلمات منفصلة عن الفهم.
إنّ هذه المعرفة القلبية والدعاء المستمر لا ينتهيان إلى انفعالات داخلية فحسب، بل يجب أن يفيضا إلى أفعال ملموسة. فإن أصدق دليل على جدية انتظار الفرد هو تحوله إلى عامل في سبيل هذا الظهور. وكيف يكون ذلك؟ إنه يبدأ من محيطنا المباشر.
فالتمهيد لظهور من سيملأ الأرض عدلاً، لا يتناقض مع السعي لإزالة الظلم اليومي عن جارنا أو أخينا في الإيمان. بل إن الاهتمام ببناء المجتمع المؤمن، ونشر العلم، ومحاربة الجهل والفقر، وتوحيد الصفوف، هي جميعها تمارين عملية على تحقيق أهداف الإمام نفسه. كل خطوة نخطوها لخدمة إنسان، وتقوية مؤمن، وتنوير عقل، هي لبنة نضعها في صرح الغد الموعود.
فالشَّاب الذي يتفوق في تخصصه لخدمة أمته، والمتدين الذي يسعى للتأليف بين قلوب المؤمنين، والمربي الذي ينشر الوعي، والإنسان الذي يسارع لقضاء حاجة محتاج – كل أولئك لا يقومون بأعمال منفصلة عن قضية الإمام، بل هم يمارسون الانتظار في أرقى صوره. إنهم يبنون اليوم المجتمع القوي الواعي الذي سيكون حاضنةً طبيعيةً وداعمةً لدولة العدل الإلهي غداً.
وبهذا الفهم، تصبح حياتنا كلها مشروعاً للتمهيد، وتكتسب أعمالنا اليومية – مهما بدت صغيرة – بُعداً استراتيجياً كبيراً. فليكن همّنا أن نجعل من نياتنا وأعمالنا، في الدراسة والعمل والخدمة، جسراً نعبر به نحو ذلك اليوم المشرق، وليكن دعاؤنا الخالص هو الوقود الذي يضيء لنا الطريق ويقوينا على السير.
وفي الختام، فإن الدعاء يبقى هو الشريان الذي يربط قلوبنا بالغيب، وهو التعبير الأصدق عن توقنا لذلك اليوم الموعود. ولكن ليكن دعاؤنا مفتاحاً للعمل، وليكن عملنا ترجمة عملية لدعائنا. فبين هذين القطبين – الدعاء والعمل – تدور عجلة الانتظار الحقيقي، وتتحقق إرادة الله في أن تكون الأمة على أتم الاستعداد لاستقبال قائدها المنتظر.
[1] الحر العاملي، وسائل الشيعة، ج١١، ص٤٩٢.
[2] العلاّمة المجلسي، بحار الأنوار، ج53، ص 181.
[3] أصول الكافي، ج1، ص405.
تعليقات