Cancel Preloader
دراسات ومقالات المركز

شهر رجب: برنامج تربوي توحيدي لإعادة بناء الإنسان

شهر رجب: برنامج تربوي توحيدي لإعادة بناء الإنسان

مقدمة

لا يمكن للتربية العبادية أن تبدأ من الصيام، كما لا يمكن للإيمان أن يُبنى من الخارج. شهر رجب ليس مجرّد مقدّمة زمنية لشهر رمضان، بل هو بداية إعادة تشكيل علاقة الإنسان بالله من أصلها. إنّه شهر تصحيح النيّة قبل تكليف الجوارح، وبناء الداخل قبل ضبط السلوك. من هنا، فإننا نفهم شهر رجب  على أنه  برنامج توحيدي متكامل، يعيد ترتيب: علاقة الإنسان بالله، ووعيه بذاته، وواستعداده لتحمّل التكليف.

أولًا: شهر رجب ومدخل التوحيد (التوحيد الذاتي بوصفه أساس التربية)

يشكّل شهر رجب محطة أساسية في المسار التربوي والإيماني للإنسان، إذ يدعو إلى البحث عن التعلّقات بغير الله، وتنقيتها عبر قراءة الأدعية والتأمّل في معانيها، بما يهيّئ النفس لعبودية خالصة تمتد آثارها على مدى الأشهر التسعة اللاحقة. وبهذا يتحقّق ما يمكن تسميته بـ مهنة التوحيد الذاتي عند الإنسان؛ فإذا توحّد الفرد في ذاته، توحّدت الأسرة، ومن بعدها المجتمع، ووتم رفض كل إلهٍ زائف سوى الله تعالى.

لذلك، ينظر إلى شهر رجب من زاوية التوحيد على أنّه شهر التوحيد الذاتي، أي تصحيح علاقة الإنسان مع الله في أصل وجوده وعبوديته. ثم يأتي شهر شعبان ليكون شهر التوحيد الصفاتي، حيث تتأكّد علاقة الإنسان بالله من خلال أسمائه وصفاته، بينما يمثّل شهر رمضان شهر التوحيد الأفعالي، أي أن تصبح أفعال الإنسان منسجمة مع إرادة الله وغاياته، في إطار فهم عميق لمسألة القضاء والقدر، والانسجام مع ما يريده الله سبحانه.

وعليه، فإن حقيقة شهر رجب أنّه مدخل التوحيد، والطريق الوحيد الذي ينبغي سلوكه للوصول إلى ليلة القدر، تلك الليلة التي تُنتج السلام العميق الذي يعمّ الإنسان من داخله. فمرجعية الأفعال يجب أن تكون الله لا الذات، والسعي الدائم هو للترقّي في مراتب التوحيد: من الذاتي، إلى الصفاتي، إلى الأفعالي.

وهذا التدرّج ليس تنظيرًا عقديًا وإنما خريطة تربوية: فالتوحيد الذاتي هو الأساس الذي يُبنى عليه كلّ التزام لاحق. ومن لم يبدأ من هنا، بقيت عبادته مهدّدة بالانقطاع أو الشكلانية.

ثانيًا: رجب داخل الأسرة رفع مستوى الذكر بوصفه وظيفة تربوية

إن النصوص الواردة عن النبي ﷺ المبينة لخصوصية شهر رجب، تبرز مسؤولية تربوية واضحة تجاه الأبناء، تبدأ بإشعارهم بأننا نعيش شهراً عظيماً من أشهر النور، شهرٌ يحبه الله ويهيّئ القلوب تدريجياً لاستقبال شهر رمضان. وقد ورد أنّ ملكاً في السماء ينادي: "طوبى للذاكرين، وطوبى للطائعين". ومن هنا، فإن رفع مستوى الذكر داخل البيت يُعدّ الوظيفة التربوية الأولى في هذا الشهر، لا عبر الوعظ فقط، بل من خلال القدوة العملية أمام الأطفال. ويتجلّى ذلك في برنامج عبادي متدرّج يشمل: الصوم، وقراءة القرآن، والدعاء، مع الاهتمام بجمالية المضمون والشكل، وتهيئة جوّ لطيف في المنزل. كما يُستحسن قراءة الأدعية اليومية لشهر رجب أمام الأطفال، بل وتشجيع الطفل نفسه على القراءة، بما يرفع مستوى الذكر في البيت تدريجياً.

وهذا الذكر المستمرّ ينفي الغفلة، ويؤكّد حقيقة التوحيد الذاتي في نفس الطفل؛ فطفل يعيش شهراً كاملاً في أجواء ذكر الله، كيف لا يُبنى في داخله أساس التوحيد؟ فالذكر هنا ليس تكرارًا لفظيًا، بل مناخًا تربويًا. الطفل لا يتعلّم الذكر لأنّه مأمور، بل لأنّه يعيش في بيتٍ يذكُر.

ثالثًا: الطاعة وقيمة الوقت (تحوّل الذكر إلى سلوك)

الحقيقة التربوية الثانية في شهر رجب هي تقوية جانب الطاعة، إذ يتجلّى صدق الذكر في السلوك العملي. فالغاية هي تعزيز حبّ الطاعة لله في قلب الطفل، وتوجيه قلبه نحوه، عبر ممارسات بسيطة مثل إيقاظه لصلاة الفجر بروح هادئة وإيجابية. وقد ورد في الحديث القدسي: "أنا جليس من جالسني، ومطيع من أطاعني"، ومع الذكر والطاعة المتدرّجين، تتلاشى المسافات بين الله والطفل.

أما الحقيقة الثالثة، فهي إعلاء قيمة الوقت، من خلال إفهام الطفل أن للوقت قداسة، وأن أوقات العبادة ليست رمزية بل ذات حقيقة واقعية، لأن الزمن ملك لله سبحانه. ويُعدّ سنّ التاسعة مناسباً لبدء هذا الفهم بشكل أعمق، مع التمهيد التدريجي لمضامين شهر رمضان، والتعريف بمفهوم الرجبيّين وخصوصيتهم.

فأوقات العبادة هي أوقاتٌ ذاتُ حقيقةٍ معنوية ووجودية وتحصل فيها تبدلّات حقيقية وواقعية، لأنّها أوقاتٌ مرتبطةٌ بذات الله ووجوده وعلاقة النسبة بينها وبينه هي علاقة الملكية، يقول الحديث الشريف:  "الشهر شهري ، والعبد عبدي ،  والرحمة رحمتي ،  فمن دعاني في هذا الشهر أجبته ومن سألني أعطيته ،  ومن استهداني هديته ،  وجعلت هذا الشهر حبلا بيني وبين عبادي فمن اعتصم به وصل إلي".

ولذلك يُستحسن قراءة الروايات الواردة حول فضل الرجبيّين أمام الأطفال، وشرحها بما يتناسب مع أعمارهم، مع التأكيد على أن للذين أتقنوا العبادة في شهر رجب معاملة خاصة وجائزة خاصة من الله تعالى.

وفي هذا المستوى، يتعلّم الطفل أنّ العبادة ليست لحظة منفصلة عن الزمن، وإنما هي تنظيمٌ للعلاقة مع الوقت نفسه.

رابعًا: أين الرجبيون؟ التربية العبادية بروح الأُنس والفرح

ينبغي أن تقوم التربية العبادية في شهر رجب على الأُنس والسعادة، لا على الضغط والإكراه، حتى يُقبل الطفل على شهر رمضان بروح الجمال والرجاء والأمل. فالتدرّج مطلوب، والحفاظ على بهجة الشهر أهم من كثرة الأذكار دون روح.

كما ينبغي التأكيد على أن تكون الأخلاق راقية أثناء الصوم والصلاة؛ فلا تُمارَس العبادة بغضب أمام الأطفال، لأن ذلك يترك أثراً سلبياً في رؤيتهم للدين. بل يُنصح بتهدئة الجو، ترتيب المكان، ثم العودة إلى الصلاة بهدوء. ويُستكمل هذا المسار بالابتعاد عن المحرّمات، والالتزام بالواجبات، والإكثار من القرآن والدعاء، والمساهمة في الصدقة والنفقة، مع المعاهدة على الاستمرار بعد انتهاء الشهر، للحفاظ على المستوى الروحي نفسه في سائر الأشهر.

بهذا المعنى، تكون التربية العبادية تربية جمالية، وأُلفة تُورث الاستمرار والانجذاب إلى العبادة.

فعن رسول الله صلّى الله عليه وآله: "إنّ مَن عَرَف حُرمة رجب وشعبان وشهر رمضان ووَصَلهما بشهر الله الأعظم، شَهِدت له هذه الشهور يوم القيامة.. فيقولون (الملائكة): يا ربّنا، صَدَق رجب وشعبان وشهر رمضان، ما عرفناه إلّا مُتقلِّباً في طاعتك، مُجتهداً في طلب رِضاك، صائراً فيه إلى البرِّ والإحسان. ولقد كان بوصوله إلى هذه الشهور فرحاً مبتهجاً، أمّل فيها رحمتك، ورجا فيها عفوك ومغفرتك".

شهر رجب هويةٌ تربوية وتوحيدية

إذن، رجب هو الشهر الذي يُسأل فيه الإنسان: هل تريد الله وسيلة… أم مرجعية ونقطة بدء وختام؟ ومن هنا، فإنّ الرجبيّين ليسوا أولئك الذين أكثروا الأعمال فحسب، وإنما الذين دخلوا في علاقة الذوبان بالله.  ويتلقى الداخل في سلك الرجبيين جائزة تنفيذ البرنامج الرجبيّ  أي الوسم بإسمٍ خاصٍّ كتعريف بالحقيقة الوجودية التي ارتقى إليها في هذا الشهر الشريف، وهي بأن يدخل في سلك "الرجبيين"! وهم جماعة خاصةٌ لها مقامها الوجودي، ويبدو أنّ لها صنفاً خاصاً من التكاليف والمسؤوليات والامتحانات والابتلاءات الخاصة، ومساراً خاصاً في الترقي نحو الكمالات المخصوصة بها... وقد رُوي عن الإمام الصادق عليه السلام: "إذا كان يوم القيامة نادى مُنادٍ من بطنان العرش [أي من باطن العرش وقلْبه]: أينَ الرَّجبيّون؟ فيقوم أُناسٌ تُضيء وجوههم لأهل الجَمْع، على رُؤوسهم تِيجان المُلك مكلّلة بالدُّر والياقوت، مع كلّ واحدٍ منهم ألف مَلك عن يمينه، وألف مَلك عن يساره، ويقولون هنيئاً لك كرامة الله عزّ وجلّ يا عبدَ الله، فيأتي النداء مِن عند الله جلَّ جلالُه: عبادي وإمائي، وعزّتي وجلالي لَأُكرِمنّ مَثواكم، ولَأُجزِلنّ عطاياكم، ولَأُوتينَّكُم من الجنَّة غُرَفاً تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها، ونِعْمَ أَجْرُ العاملين، إنّكم تطوَّعتم بالصَّوْم لي في شهر عَظَّمَتُ حُرْمته وأَوجبتُ حقَّه. ملائكتي، أدخِلوا عبادي وإمائي الجنّة ".

لذلك، من المهم للأهل والمربين إعلاء مقام هذا الشهر في عين المتربي، ومساعدته في شرحِ العبادات والأدعية وآداب الصوم، ومقامات الرسول الأعظم وأهل البيت عليهم السلام خصوصا في المناسبات الخاصة بهم في هذا الشهر، كي يدركَ فعلاً أنّه شهرٌ لبناء التوحيد والربط بالنبوة لخصوصية المبعث النبوي الشريف فيه، ولربطه بحقيقة الولاء والإمامة لولادة أمير المؤمنين فيه، ومحورية الكعبة الشريفة كمركزٍ للدعوة الإسلامية.. وغير ذلك من المضامين والحقائق العالية التي يزخر بها  هذا الشهر الشريف.

آخر تحديث : 2025-12-29
الكلمات المفتاحية للمقال:
مشاركه في:

تعليقات

اترك تعليقك هنا

  • shape
  • shape
  • shape
  • shape