في تاريخ نشأة المناهج وتطورها حتى منتصف القرن العشرين
لم يظهر المنهج المدرسي بوصفه بنية معرفية مستقلة ومُقنّنة منذ بدايات التعليم فحسب، وإنما تَشكَّل تدريجيًا في قلب تحولات اجتماعية واقتصادية وثقافية عميقة. فالمنهج، من منظور أنثروبولوجي تربوي، يتجاوز كونه مجرد قائمة مواد أو محتويات تعليمية، إلى كونه تعبيراً مكثّفاً عن تصوّر المجتمع للمعرفة، وللإنسان المتعلّم، ولدور المدرسة في إعادة إنتاج النظام الاجتماعي أو مراجعته. ومن هنا، فإن تتبّع تاريخ نشأة المناهج وتطورها حتى منتصف القرن العشرين يسمح بفهم الكيفية التي انتقلت فيها المدرسة من وظيفة حفظ التراث الكلاسيكي، إلى خدمة متطلبات المجتمع الصناعي، ثم إلى محاولة إعادة مركزية المتعلّم ضمن المشروع التربوي الحديث.
لا يمكن فهم تاريخ المنهج المدرسي بوصفه مسارًا خطّيًا أو تراكمًا تقنيًا لمحتويات دراسية، وإنما هو -كما تشير دراسات تاريخ المنهج - نتاج لتشابكٍ عميق بين تحوّلات اجتماعية وسياسية واقتصادية، وبين تصوّرات المجتمع للمعرفة والسلطة والتربية. فالمنهج يعكس دائمًا -بصورة مباشرة أو ضمنية - الإجابة عن أسئلة كبرى: ما هي المعرفة القيّمة؟ من يملك حقّ تعريفها؟ ولأي إنسان نُربّي؟ ولأي مجتمع نُعِدّ المتعلمين؟
وقد ظلّ التعليم، حتى أواخر القرن التاسع عشر، متأثرًا بالنموذج الكلاسيكي ـ النخبوي الذي ارتكز على اللاتينية واليونانية والمنطق والبلاغة، انطلاقًا من مبدأ "تهذيب العقل" عبر الحفظ والتكرار والتمرين الذهني. غير أن هذا النمط لم يكن مهيّأً لواقع المجتمع الصناعي المتسارع، ولم يستجب لاحتياجات الطبقات العاملة والطلبة غير المتوجهين نحو الجامعات، الأمر الذي أدى إلى توسّع الانتقادات ضده واعتباره عاجزًا عن إعداد المتعلمين لمتطلبات الحياة الحديثة والعمل والإنتاج. وتشير دراسات تاريخ المناهج في الولايات المتحدة إلى أنّ هذا التحوّل الواسع ارتبط مباشرةً بصعود التوجه نحو المدينة، والهجرة، وتحوّل المدرسة إلى مؤسسة جماهيرية بعد أن كانت حكرًا على النخب[1].
ومع بدايات القرن العشرين، بدأت ملامح مرحلة جديدة تتشكّل مع نشوء ما يُعرف بـ "العلمية الأكاديمية" والوظيفية الاجتماعية للمناهج، حيث أصبح المنهج يُبنى تدريجيًا على أسس "علمية" مستمدة من علم النفس التجريبي، وتحليل الوظائف الاجتماعية، وحاجات سوق العمل. وقد مثّل ذلك انتقالًا من النظر إلى المنهج بوصفه نصوصًا ثقافية كلاسيكية إلى اعتباره أداةً لإعداد "المواطن المنتج" القادر على الاندماج في المجتمع الصناعي الحديث[2]. وفي هذا السياق برزت أعمال مفكرين مثل بوبِت وتايلور الذين دعوا إلى اشتقاق المنهج من تحليل مهام الحياة والعمل، بما يتوافق مع منطق الكفاءة والإنتاجية.
غير أن هذا التحوّل لم يلغِ البعد التربوي الإنساني، بل فتح الطريق أمام التيار التقدّمي الذي ازدهر بين العقدين الثاني والرابع من القرن العشرين، متأثرًا بفلسفة جون ديوي وفكرة المدرسة الديمقراطية. هنا تحرّك مركز المنهج من "المحتوى" إلى "المتعلم"، ومن الحفظ إلى الخبرة والمعنى، ومن المعرفة المجردة إلى الخبرات المعيشية ذات الصلة بالحياة والمجتمع. [3]فقد اعتُبرت المدرسة فضاءً لتشكيل المواطن القادر على المشاركة الاجتماعية لا مجرّد متلقٍّ للمعارف. ومع ذلك، ظلّ الجدل قائمًا بين اتجاهين متوازيين: اتجاهٍ تقدّمي يركز على النمو والخبرة، واتجاهٍ وظيفي يسعى إلى مواءمة المدرسة مع متطلبات النظام الاجتماعي والاقتصادي.
ومع منتصف القرن العشرين، أدّت ظروف الحرب العالمية الثانية والحرب الباردة إلى إعادة صياغة وظيفة المنهج من جديد، حيث تعزّزت الدعوات إلى المعرفة العلمية الصلبة والصرامة الأكاديمية، خاصة في مجالات الرياضيات والعلوم، دون أن تختفي النزعات التربوية التقدمية. وهكذا، كان لتاريخ المنهج مسارًا متعدد الاتجاهات، وساحة صراعٍ بين رؤى مختلفة للإنسان والمجتمع والدولة، وبين التربية بوصفها أداة ضبط وتنشئة اجتماعية، ومجالًا للتحرّر وبناء الذات.
إن مفهوم المنهج المدرسي في المجتمعات القديمة والوسيطة كان حاضرًا بوصفه تعليماً قائمًا على نقل المعارف التي تُعدّ ذات قيمة ثقافية ورمزية داخل المجتمع، وخاصة تلك المرتبطة بتكوين النخب الدينية والسياسية والفكرية، وأما مخاطبة عموم الناس أو الفئات الدنيا من المجتمع كجمهور واسع للتعليم، فلم يكن بعد منظوراً أو مقصوداً. وقد ارتبط ذلك -من منظور تاريخي وأنثروبولوجي- بوظيفة المدرسة كأداة لإعادة إنتاج النظام الاجتماعي وتراتبية السلطة والمعرفة داخل بنية اجتماعية هرمية.
ففي الحضارة اليونانية الكلاسيكية، تشكّل النسق التعليمي حول ما عُرف بـ الفنون الحرة (Trivium & Quadrivium)، والتي ضمّت النحو والبلاغة والمنطق من جهة، والحساب والهندسة والفلك والموسيقى من جهة أخرى، حيث كانت هذه المعارف تُعدّ أدواتٍ لتشكيل مواطن قادر على الخطابة والمشاركة في الشأن العام، أكثر من كونها خبرات حياتية موجّهة للواقع الاجتماعي العمومي. وقد حافظ هذا النموذج على طابعه النخبوي، إذ لم يكن موجّهًا للتعليم العام، بل لتكوين طبقة محدودة من أصحاب الامتياز الاجتماعي والثقافي (Cohen, 1972) .
وخلال العصور الوسطى الأوروبية، انتقل هذا النمط إلى المدارس الكنسية والجامعات الناشئة، حيث تمحور المنهج حول اللاهوت والفلسفة المدرسية والنصوص الكلاسيكية، وبقي التعليم انتقائيًا وموجّهًا إلى إعداد رجال الدين والإدارة والنخب الثقافية. ومن منظور تاريخ المناهج، فإن هذا النمط لم يكن يهدف إلى بناء "إنسان اجتماعي شامل"، بل إلى تكوين فئة قادرة على إدارة النظام الرمزي والمعرفي للمجتمع، وهو ما يعكس تمركز المعرفة بوصفها رأس مال رمزي محصور داخل طبقات اجتماعية محددة، ويعبّر عن علاقة وثيقة بين المنهج والسلطة الثقافية. وأما في الفضاء الاسلامي، فقد ابتدأ هذا النمط في المساجد، كمساحات تعليم دينيٍّ أوليّ، تطور فيما بعد ليصبح أكثر اعتناءً بالعلوم المتنوعة وإن بقي الدين محوراً لها، إلا أنها ضمت الحساب والكيماء والسيمياء والهندسة والفلك والشعر والبلاغة والمنطق والفلسفة وغير ذلك من أنواع الفنون والعلوم، وكانتْ حلقاتٍ مفتوحةً لمن يرغب من العموم في الدخول إليها. وإن كان الخلفاء والقادة اختصوا أنفسهم وأبناءهم بمربّينَ خاصّين.
ومع بدايات العصر الحديث وصعود الدولة القومية وبدايات تشكّل البيروقراطيات الحديثة، بدأت تظهر محاولات أوّلية لتنظيم المحتوى التعليمي داخل المدارس بصورة أكثر انتظامًا، غير أن هذا التنظيم ظلّ محكومًا إلى حدّ كبير بالثقافة الكلاسيكية نفسها، حيث استمرت المعرفة تُدرَّس "لذاتها" باعتبارها تمثّل التراث العقلي للحضارة، لا بوصفها أداة لفهم الواقع الاجتماعي أو تغييره، ولم تكن المدرسة بعدُ قد انتقلت إلى كونها مؤسسة جماهيرية أو فضاءً عامًا لإنتاج مواطنين متساوين في حق الوصول إلى المعرفة.
ومن منظورٍ أنثروبولوجي، يمكن فهم التعليم الكلاسيكي باعتباره آلية لإعادة إنتاج البُنى الرمزية والسلطوية داخل المجتمع؛ إذ لم يكن توزيع المعرفة محايدًا، وإنما كان مرتبطًا بموقع الفرد داخل الهرم الاجتماعي، بحيث تُمنَح المعرفة للفئات التي تُناط بها إدارة الشأن الديني والسياسي والثقافي، بينما تُستبعَد الفئات الدنيا من فرص الوصول إلى الثقافة المكتوبة والتكوين العقلي النخبوي. وقد أشار باحثو تاريخ المنهج إلى أن هذا النوع من التعليم لعب دورًا بنيويًا في تثبيت الفوارق الطبقية وإدامة أشكال السيطرة الرمزية التي تمارسها النخبة عبر احتكار رأس المال الثقافي والمعرفي.
وفي هذا السياق، لم يكن "المنهج" يُصاغ في وثائق رسمية أو خطط دراسية محددة، بل كان يتجسّد في الثقافة المشرعَنة داخل مؤسسات التعليم، وفي نوع النصوص المسموح تداولها، وفي اللغة التي تُدرَّس، وفي طبيعة القيم المرتبطة بالفضيلة، والانضباط، والطاعة، والالتزام بالنظام الاجتماعي القائم. وبذلك كان المنهج -بمعناه الثقافي العميق- يعمل كجهاز اجتماعي يضبط الذائقة المعرفية، ويحدد ما يمكن اعتباره "معرفة رفيعة" أو "معرفة ثانوية"، وهو ما يجعل تاريخ المناهج مرتبطًا بتاريخ السلطة والهيمنة أكثر من ارتباطه بتاريخ الأفكار مستقلةً عن شروطها الاجتماعية.
كما أن تركّز التعليم في الفنون الحرة واللاهوت والفقه والشريعة والفلسفة الكلاسيكية كان قائماً على اختيار اجتماعي ـ سياسي يعكس طبيعة الاقتصاد ما قبل الصناعي، حيث كان المجتمع قائمًا على البنى الزراعية والإقطاعية، وعلى اقتصاد رمزي أكثر منه إنتاجيًا. ولذلك، ظل التعليم موجّهًا نحو تكوين "الإنسان الكامل" أو كقائد في المدينة الفاضلة، وكانَ اقل بروزا أو وضوحاً في ميله نحو تكوين العامل أو المواطن المنتج أو الفاعل الاقتصادي، وهو ما يفسر محدودية انتشار التعليم الجماهيري قبل العصر الصناعي، خصوصا في أوروبا، وإن كانَ في العالم الاسلامي قد اكتسب صبغة عمومية أكثر وضوحاً وانتظاماً وإشرافاً من قبل الدول والخلافات الاسلامية التي ظهرت.
مع تحولات القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، وما رافقها من صعود الدولة القومية، وتوسّع المدن، وتحوّل أنماط الإنتاج نحو الصناعة، لم يعد التعليم قادرًا على البقاء في صورته النخبوية القديمة؛ إذ برزت حاجة ملحّة إلى إعداد قوى عاملة متعلمة، ومنضبطة، وقادرة على العمل داخل المصانع والإدارات البيروقراطية الحديثة. وهنا بدأ المنهج يتحول تدريجيًا من كونه حارسًا للتراث الثقافي الكلاسيكي إلى كونه أداة لتنظيم المجتمع وتدريب الأفراد على أدوار اقتصادية واجتماعية محددة.
لقد ساهمت الثورة الصناعية في نقل المدرسة من فضاءٍ رمزي للنخبة إلى مؤسسة جماهيرية، حيث أُعيد تعريف التعليم باعتباره حقًا عامًا من جهة، ووسيلةً للضبط الاجتماعي وبناء المواطن المنضبط من جهة أخرى. وفي هذا السياق، بدأت ملامح أولية لفكرة "المنهج الموحّد" تظهر عبر محاولات تنظيم المحتوى، وتحديد المواد الدراسية، وتقنين الزمن المدرسي، وهي تحولات ارتبطت بتطوّر الإدارة الحديثة وظهور مفهوم الكفاءة والانضباط والإنتاجية داخل المؤسسة التعليمية.
ومن هذا المنعطف التاريخي بدأت المدرسة تتحول تدريجيًا إلى حقل صراع بين رؤيتين للمعرفة:
رؤيةٍ ترى في التعليم استمرارًا للثقافة الكلاسيكية بوصفها رأس مال رمزي،
ورؤيةٍ جديدة ترى في المنهج أداة اقتصادية ـ اجتماعية لإعداد الفرد للحياة العملية في المجتمع الصناعي الحديث، وهي الرؤية التي ستتبلور لاحقًا في الفكر الوظيفي، ونظريات الكفاءة، وبدايات علم نفس التعلم الحديث.
شكّلت الثورة الصناعية في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر نقطة تحوّل مفصلية في تاريخ التعليم والمناهج، إذ تحولت المدرسة من مجرّد مؤسسة ثقافية للحفاظ على التراث، إلى أن أصبحت جزءًا من بنية الدولة الحديثة التي كانت تسعى إلى تشكيل مواطنين منضبطين، قادرين على الاندماج في نظام الإنتاج الصناعي والبيروقراطي. ومع الانتقال من المجتمعات الزراعية إلى المجتمعات الحضرية الصناعية، برزت حاجة ملحّة إلى نظامٍ تعليمي جماهيري قادر على إعداد أعداد كبيرة من الأفراد للعمل في المصانع والإدارات الحديثة، وهو ما مهّد لظهور المدرسة بوصفها مؤسسة اجتماعية جماعية لا نخبوية.
وفي هذا السّياق، تغيّرت وظيفة المنهج من حفظ التراث الكلاسيكي إلى تنظيم المعرفة بطريقة تخدم الكفاءة والانضباط وتقسيم العمل؛ إذ جرى تقنين العملية التعليمية من خلال تحديد المواد الدراسية المنفصلة (الرياضيات، العلوم، اللغة، التاريخ)، وتقسيم التلاميذ وفق المراحل العمرية، واعتماد جداول حصص ثابتة، وامتحانات موحّدة، وهو ما عبّر عن انتقال المدرسة نحو نموذجٍ إداري عقلاني يهدف إلى توحيد الخبرة التعليمية وضبط مخرجاتها. وقد وصف باحثون هذا التحول بأنه جزء من مشروع "عقلنة التعليم" في إطار الدولة الحديثة، حيث أصبح المنهج أداة لتنظيم الزمن المدرسي، وضبط السلوك، وإنتاج المتعلم وفق معايير معيارية محددة[4].
ومن منظور أنثروبولوجيا التربية، يمكن قراءة هذا التحول بوصفه ترجمة لانتقال منطق المصنع إلى المدرسة؛ فالتلميذ يُعامَل بوصفه "فردًا قيد التشكيل"، والمعرفة تُقدَّم كـ "منتج قابل للقياس والتوحيد"، بينما يُصوَّر المعلم كمشرف على سير العملية التعليمية وفق إيقاعٍ منضبط يوازي نظام العمل الصناعي. وقد أظهرت دراسات تاريخ المناهج أن هذه البنية لم تكن تقنية أو بيداغوجية فحسب، بل كانت ذات بعد اجتماعي ـ سياسي عميق، ارتبط بإعادة تشكيل الطبقة العاملة وتطبيع قيم الطاعة والانضباط والإنتاجية داخل المجتمع الصناعي.
وقد أشار إميل دوركهايم إلى أن المدرسة الحديثة لا تقوم بوظيفة نقل المعارف وحسب، بل تضطلع بدورٍ أساسي في نقل القيم الجماعية وضمان تماسك المجتمع الصناعي، عبر إنتاج منظومة أخلاقية مشتركة، وتنمية حس الالتزام بالنظام الاجتماعي، وهو ما يفسّر الطابع المعياري والانضباطي الذي اتّسمت به المناهج في هذه المرحلة.[5]
. بهذا المعنى، بدا المنهج جهازًا اجتماعيًا يسهم في بناء الفرد-كما تحتاجه الدولة الحديثة-عبر توحيد الخبرات، وإعادة تعريف العلاقة بين المعرفة والعمل، وكذلك ترتيب العلاقة بين المدرسة والمجتمع.
مع نهاية القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، بدأت تتشكّل حركات تربوية ناقدة للنموذج الصناعي–التقليدي في التعليم، خاصة بعد أن أصبح المنهج-في ظل المدرسة العقلانية والانضباطية-أداة لإعادة إنتاج النظام الاجتماعي أكثر من كونه فضاءً لنمو الفرد وخبرته الإنسانية. وقد مثّلت التربية التقدمية أبرز هذه الحركات، بوصفها ردّ فعل فكريًا وتربويًا على الطابع الآلي والوظيفي للمناهج الصناعية، حيث أعادت طرح سؤال جوهري: لمن وُضع المنهج؟ وهل وُجد لخدمة المعرفة والمؤسسة المدرسية، أم لخدمة المتعلّم ونموه النفسي والاجتماعي؟[6]
ويُعدّ جون ديوي أحد أبرز منظّري هذا التحول؛ فقد رفض التصور القائل بأن المنهج مجموعة معارف جاهزة تُلقَّن للمتعلمين عبر الحفظ والتلقين، ورأى أن التعليم يجب أن يُبنى على الخبرة الحية والتجربة المشتركة داخل سياق اجتماعي تفاعلي. اعتبر ديوي أن المدرسة ليست مؤسسة منفصلة عن المجتمع، بل امتدادٌ له، وأن التعلم لا يتحقق إلا حين تكون المعرفة مرتبطة بحاجات المتعلم وبيئته ومشكلاته اليومية، لا حين تُفرض عليه خارجيًا دون معنى وجودي أو اجتماعي.[7] ففي كتابه Democracy and Education شدّد ديوي على أن المنهج ينبغي أن يكون امتدادًا لتجربة الطفل ونشاطه، وأن المعرفة لا تُستوعَب عبر النقل المباشر، بل عبر الممارسة، والفعل، والتفكير التأملي النقدي. فالتعلم عنده عملية اجتماعية مستمرة، تتكوّن داخل شبكة من العلاقات بين المتعلم وبيئته وأقرانه ومجتمعه، ولا يمكن اختزالها في مواد دراسية منفصلة أو امتحانات معيارية.
إن هذا التحول شكّل قطيعة معرفية وبيداغوجية مع المنهج التقليدي؛ إذ انتقل التركيز من سؤال "ماذا نُدرّس؟" إلى سؤال "كيف ولماذا نُدرّس؟"، ومن مركزية المحتوى إلى مركزية التجربة والخبرة. كما أسهمت التربية التقدمية في إعادة النظر في طبيعة المواد الدراسية بوصفها مجالات متداخلة لا جزرًا منفصلة[8]، وفي العلاقة بين المدرسة والمجتمع بوصفها علاقة تفاعلية لا انفصالية، وفي دور المعلّم باعتباره ميسّرًا للتعلم وبانيًا للخبرة المشتركة لا ناقلًا للمعرفة فحسب.
ومن هذا المنطلق، لم يكن نقد التربية التقدمية موجّهًا ضد المعرفة ذاتها، بل ضد الطريقة التي تُقدَّم بها المعرفة داخل المدرسة التقليدية، وضد تحويل المنهج إلى بنية مغلقة ومنفصلة عن الحياة. لقد هدفت هذه الحركة إلى إعادة وصل المنهج بالإنسان، وبالخبرة، وبالديمقراطية الاجتماعية، وإلى جعل المدرسة فضاءً لتكوين مواطن قادر على التفكير النقدي والمشاركة الاجتماعية، لا مجرد فرد منضبط داخل منظومة إنتاج صناعية.
رغم الأفق التحرّري الذي فتحته التربية التقدمية، تعرّض هذا التيار لسلسلة من الانتقادات النظرية والتطبيقية، خصوصًا عندما انتقل من مستوى التنظير إلى مستوى السياسات التربوية في المدارس والأنظمة التعليمية. فقد رأى بعض النقّاد أن التركيز على الطفل وخبراته قد تحوّل، في كثير من التطبيقات، إلى تساهل بيداغوجي أضعف مستوى الإتقان المعرفي[9]، وأدّى أحيانًا إلى إهمال ما اعتُبر "معارف أساسية" في اللغة والرياضيات والعلوم، وهو ما استُخدم لاحقًا كحجة لعودة خطاب "العودة إلى الأساسيات" في منتصف القرن العشرين.
كما أشار جلاثورن[10] إلى أن بعض تجارب "المدرسة التقدمية" و"الصفوف المفتوحة" و"المدارس البديلة" في الستينيات والسبعينيات قد أفرزت برامج غير متماسكة أو صعبة التقييم، تعتمد بصورة مفرطة على المبادرة الفردية للمعلم وعلى دافعية المتعلم، دون وجود ضمانات كافية لتحقيق حد أدنى مشترك من الكفايات المعرفية بين الطلبة، وهو ما جعل هذه التجارب عرضة لاتهامها بالفوضى أو النخبوية المقنّعة؛ إذ كانت غالبًا أنسب للبيئات الميسورة والطلبة ذوي رأس المال الثقافي المرتفع.
لذلك، ومن منظورٍ نقدي، يمكن القول إن التربية التقدمية نجحت في تفكيك مركزية المنهج التقليدي، لكنها لم تُنهِ التوتر بين الحرية والبنية داخل المدرسة؛ فمحاولة جعل المنهج امتدادًا لتجربة الطفل اصطدمت بواقع أن المدرسة، في الأنظمة الجماهيرية، لا يمكنها التخلّي كليًا عن المعايير المشتركة، والامتحانات، ومتطلبات الدولة وسوق العمل. لذلك، ظلّت أفكار ديوي وغيرها من منظّري التقدمية تُستعاد وتُعاد صياغتها داخل موجات متلاحقة من الإصلاح التربوي، بدل أن تتحوّل إلى نموذج وحيد مهيمن. [11]
مع نهاية الحرب العالمية الثانية وبداية الحرب الباردة، دخل التعليم مرحلة جديدة اتسمت بتصاعد القلق من التنافس العلمي والتكنولوجي والاقتصادي بين الدول الصناعية، خصوصًا بعد صعود الاتحاد السوفياتي، ثم إطلاق قمر "سبوتنيك" عام 1957، ما أثار في الولايات المتحدة وأوروبا شعورًا بـ"أزمة تعليمية" تُحمِّل المدارس مسؤولية التخلّف في سباق الفضاء والمعرفة. في هذا السياق، تعرّضت التربية التقدمية لهجوم شديد، واتُّهمت بأنها جعلت التعليم "لينًا" أكثر من اللازم[12]، وإغراقيًا في المشاعر والاهتمامات الفردية على حساب الصرامة المعرفية والانجاز الأكاديمي.
وقد انعكست هذه الأجواء في ظهور خطاب قوي يدعو إلى العودة إلى الأساسيات وإلى إعادة الاعتبار للمعرفة الأكاديمية المنظّمة، خاصة في العلوم والرياضيات واللغات، وهو ما وثّقته أدبيات المناهج تحت مسمّيات مثل "العلمية الأكاديمية (Academic Scientism)" و"البنيوية العلمية"(Scholarly Structuralism)، حيث تولّى علماء التخصصات الأكاديمية (كالرياضيات والعلوم[13]) قيادة مشاريع تطوير المناهج، بتمويل حكومي مباشر، بهدف رفع مستوى الأداء العلمي للطلبة.
في هذه المرحلة، لعبت تقارير سياسية وتشريعات مثل قانون الدفاع الوطني للتعليم في الولايات المتحدة دورًا محوريًا في إعادة تشكيل المناهج؛ إذ جرى توجيه التمويل نحو تطوير برامج دراسية متقدمة في الرياضيات والعلوم، واعتماد معايير أكثر صرامة في التقويم والقبول الجامعي، والتركيز على ما سُمّي وقتها بـ "بنية التخصصات"، كما بلورها Jerome Bruner في كتابه The Process of Education، حيث دافع عن تدريس البنى المفاهيمية العميقة للمعارف بدل الاكتفاء بالحقائق المتفرقة، في إطار منهج منظم هرميًا من الصفوف الدنيا إلى العليا.
لكن هذا التحول نحو النموذج الأكاديمي–العلمي الصارم لم يكن حياديًا بدوره؛ فمن منظور تاريخ المناهج، يُقرأ غالبًا بوصفه استجابة سياسية–استراتيجية أكثر منه استجابة تربوية خالصة، إذ جرى تحميل المدرسة هدف "إنقاذ الأمة" عبر رفع إنتاجيتها العلمية والتكنولوجية، ما أعاد تمركز المنهج حول "المحتوى المعياري" الذي تفرضه الدولة والسوق، على حساب الرؤية التقدمية التي جعلت نقطة الانطلاق هي خبرة المتعلم. ومع ذلك، لم تختفِ آثار التربية التقدمية؛ بل ظلّت حاضرة في النقاشات[14] حول طرق التدريس، والتعلّم النشط، وربط المعرفة بالحياة، ما جعل تاريخ المناهج في النصف الأول من القرن العشرين سلسلة من التوترات المتعاقبة بين الصرامة الأكاديمية والتجربة الحية، وبين الكفاءة الاقتصادية والنمو الإنساني.
ومع ترسّخ أفكار التربية التقدمية في النصف الأول من القرن العشرين، بدأ المنهج يُفهم بصورة متزايدة بوصفه بناءً اجتماعيًا–ثقافيًا لا كيانًا معرفيًا محايدًا؛ إذ تبيّن للباحثين أن القرارات المتعلقة بما يُدرّس وما يُستبعد، وبكيفية تنظيم المعرفة داخل المدرسة، وبمن يملك سلطة تعريف "المعرفة المدرسية المشروعة"[15]، ليست مجرد قرارات تقنية أو بيداغوجية، وإنما أيضاً كانعكاس مباشر لتصوّرات المجتمع عن الإنسان والسلطة والهوية، ولدور المدرسة في إعادة إنتاج النظام الاجتماعي أو مراجعته.
لقد بيّنت القراءات التاريخية للمناهج أن "الاختيارات المنهجية" لا تعبّر فقط عن ترتيب معرفي داخلي للمحتوى، بل عن تراتبية أعمق للقيم والمعارف داخل المجتمع: أيّ المعارف تُصنَّف باعتبارها أساسية وعالمية، وأيّها تُعدّ محلية أو هامشية؛ وأيّ اللغات والتقاليد تُمنح شرعية تربوية وأيّها تُستبعد أو تُهمّش. وهكذا، لم يعد المنهج يُقرأ بوصفه مرآة محايدة للمعرفة الإنسانية، بل كـفضاء للصراع الرمزي بين فئات اجتماعية وثقافية مختلفة، تتنافس على تمثيل العالم ومعناه داخل المدرسة[16].
وتؤكد الأدبيات التاريخية أن هذا التحول في الوعي المنهجي جاء نتيجة إدراك متزايد بأن المدرسة لا تنقل المعرفة فقط، بل تُعيد تشكيلها وفق مقولات مؤسساتية وسياسية وأخلاقية محددة؛ فالمنهج يعبّر عن تصوّر معيّن لـ“المتعلم المرغوب فيه”، ولنوع المواطن الذي تسعى الدولة إلى تكوينه، ولموقع الجماعات المختلفة داخل البنية الاجتماعية. من هنا بدأ الباحثون ينظرون إلى المنهج باعتباره حقلًا لإنتاج السلطة
لقد مهّد هذا الوعي المبكر-الذي نشأ في سياق التحولات التقدمية-الطريق لاحقًا أمام تطوّر دراسات أكثر عمقًا حول مفاهيم مثل “المنهج الخفي”، أي تلك القيم والمعايير والتراتبيات التي تُمارَس في الحياة المدرسية اليومية دون أن تكون مصاغة في الوثائق الرسمية، لكنها تسهم بفاعلية في إعادة إنتاج اللامساواة الطبقية والثقافية واللغوية. ومع أنه لم يكن قد تبلور بعد في صياغته النقدية المعروفة، فإن جذوره النظرية ظهرت منذ تلك المرحلة، وجرى تطويرها بوضوح أكبر بعد منتصف القرن العشرين مع صعود علم الاجتماع التربوي النقدي [17].
وفي هذه المرحلة الانتقالية، لم يكن المنهج التقدمي قد أطاح بالكامل بالنموذج التقليدي؛ وإنما تعايش النموذجان داخل أنظمة تعليمية متعددة. فقد استمرت البنية المعيارية للمناهج الصناعية والأكاديمية -في تنظيم الصفوف والامتحانات والتقويم وتسلسل المواد-في الوقت الذي تسلّلت فيه عناصر تقدّمية مثل التعلم عبر النشاط، ومركزية الخبرة، والارتباط بالحياة، ما خلق حالة من التداخل التاريخي بين “البنية” و“الخبرة” بدل القطيعة التامة بينهما . غير أن التحول الأعمق تمثّل في أن مفهوم المنهج لم يعد يُختزل في المحتوى الدراسي فقط، بل أصبح يشمل-بوصفه منظومة اجتماعية مركّبة-مجموعة أوسع من الأبعاد، من بينها:
وبذلك انتقل المنهج إلى كونه بنية اجتماعية–ثقافية تمارس عبرها القيم والمعاني والسلطة داخل المدرسة. وقد شكّل هذا الفهم الأساس النظري الذي انطلقت منه لاحقًا المقاربات النقدية للمناهج، خاصة تلك التي درست علاقتها بالهوية والطبقة واللغة والثقافة، وكيف تُعاد عبرها صياغة الحدود بين المركز والهامش داخل المجتمع المدرسي .
إذن، يكشف تتبّع تاريخ نشأة المناهج المدرسية وتطوّرها حتى منتصف القرن العشرين أن المنهج لم يكن يومًا كيانًا ثابتًا أو محايدًا، بل كان على الدوام مرآةً للتحولات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية الكبرى التي عرفتها المجتمعات الحديثة. فمن التعليم الكلاسيكي النخبوي الذي ارتبط بإعادة إنتاج الامتياز الثقافي والرمزي، إلى المنهج الصناعي المعياري الذي خدم بناء الدولة الحديثة وضبط قواها العاملة، وصولًا إلى التربية التقدمية التي أعادت الاعتبار للخبرة الإنسانية وللمتعلم بوصفه فاعلًا اجتماعيًا-يتّضح أن المنهج ليس مجرد أداة تعليمية، بل ساحة صراع رمزي تتواجه داخلها تصوّرات متعددة حول المعرفة، والإنسان، والسلطة، والمجتمع.
ويُظهر هذا المسار التاريخي أن كل مرحلة في تطور المناهج حملت معها رؤية أنثروبولوجية ضمنية للعالم: رؤية لماهية الإنسان الذي ينبغي تكوينه، ولنوع المواطن الذي تحتاجه الدولة، ولشكل المجتمع الذي تسعى المدرسة إلى دعمه أو تغييره. فالمنهج هنا، يحدّد –ولو بصورة ضمنية- ما يُعتبر جديرًا بالتعلم، ومن يملك حق تعريف المعرفة المدرسية المشروعة، وكيف تُعاد عبرها صياغة الحدود بين المركز والهامش داخل الفضاء التعليمي.
ومن هنا، فإن الفهم التاريخي–التحليلي للمنهج يمثل شرطًا معرفيًا أساسيًا لأي نقاش معاصر حول إصلاح المناهج؛ ذلك أنه يذكّرنا بأن كل مشروع تربوي لا ينطلق من فراغ، بل يتأسس على افتراضات ثقافية واجتماعية وأخلاقية حول الإنسان والعالم. وعليه، فإن التفكير في إصلاح المنهج يعني-بالضرورة-التفكير في سؤال أعمق:
أي مجتمع نريد أن نبنيه؟ وأي علاقة بين المعرفة والسلطة نرغب في أن تجسّدها المدرسة؟
وبهذا المعنى، يصبح المنهج -في حاضره كما في تاريخه- فضاءً لإنتاج المعنى والهوية، ومجالًا دائم الحركة تتقاطع فيه رهانات التربية والسياسة والثقافة.
[1] Glatthorn, A. A., Boschee, F., Whitehead, B. M., & Boschee, B. F. (2018).
[2] Baker, B. (1996).
[3] Plate, R. (2012).
[4] Tyack & Cuban, 1995.
[5] Durkheim, 1956.
[6] Plate, 2012.
[7] Dewey, 1916.
[8] Glatthorn et al., 2018.
[9] Plate, 2012.
[10] Glatthorn et al., 2018.
[11] Baker, 1996.
[12] Plate, 2012.
[13] Glatthorn et al., 2018
[14] Baker, 1996.
[15] Baker, 1996.
[16] Glatthorn et al., 2018.
[17] Baker, 1996.
تعليقات