دراسات ومقالات المركز
التربية على القناعة مفتاح من مفاتيح النصر (الجزء الثاني: النموذج العملي)
في الجزء الأول من هذا المقال التربوي تم الكلام فيه عن التربية على القناعة من خلال البناء النظري لهذا المفهوم، أما في هذا الجزء فسيتم التركيز على النموذج التربوي العملي.
التربية على القناعة كنموذج عملي
لا يكفي للتربية على القناعة أن تبقى في الطابع النظري، بل يجب أن تتجلى هذه التربية الإيمانية الحميدة في السلوك العملي، والذي هو عبارة عن مؤشرات قابلة للقياس لما يحمله الإنسان من قيم، ويطبّقها في حياته اليومية وفي علاقاته مع الله تعالى ومع نفسه ومع الآخرين ومع الطبيعة.
أ- العلاقة مع الله تعالى:
- التربية على القناعة بالعلاقة مع الله تعالى تكون من خلال التّسليم والرضا بالقضاء والقدر، والربط العقائدي لهذا الرضى والتسليم يكون عبر رؤية الإنسان المؤمن بأن كلّ ما يصيبه من خير أو شرّ (من منظور بشري إنساني، لأنّ ما عند الله هو كلّه خير) هو ضمن حكمة الله وأمره وتقديره.
- الدعاء مع اليقين والثقة بأن النصر بيد الله لا بيد البشر، وهذا نِعمَ التوكّل ونعم القناعة بقدرة الله وتدبيره.
- شكر الله تعالى على كلّ نعمه، فهو الأخبر بتوزيع كلّ الأرزاق على عباده، وبمصالحهم ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر: 49]، ﴿وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَٰكِن يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَّا يَشَاءُ ۚ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾ [الشورى: 27].
ب- العلاقة مع النفس:
- التربية على ضبط الطمع المادي والاكتفاء بالقليل من الطعام واللباس والاحتياجات المادية، أما الطموح فلا بدّ منه، فالإسلام لا يمنع الإنسان المسلم من الرزق أو يطالبه بالفقر، بل على العكس يطالبه بالعمل والإنتاج والطموح لتوسيع رزقه والسعي لأجله، فالطموح شيء حميد ومطلوب، أما الطمع فهو شيءٌ آخر، فهو مذموم ومنبوذ.
- التربية على الصبر وعدم الإنهيار أمام الحرمان المادي وغير المادي، خاصة في فترات الأزمات والحروب.
- الثبات أمام إغراءات العدو، فالقناعة تحصّن الإنسان من الانجرار وراء وعود العدو الكاذبة أو إغراءاته المادية للتعامل معه وخيانة الدين والوطن والأهل، فالقناعة هي السبيل لبقاء الإنسان الؤمن الملتزم ثابتًا على مبادئه، فالتربية على القناعة هي درع نفسي ضد الحرب الناعمة وغير الناعمة.
- التربية على أن الكرامة والقيم ونصرة مسار الحقّ ومرضاة الله تعالى أغلى وأعزّ من المال، وأن الصبر على القليل يفتح أبواب الغنى الروحي والرفاه النفسي والحياة الطيبة في الدنيا والآخرة.
- عدم اعتياد النِعَم، وشكر الله تعالى على أبسطها.
ت- العلاقة مع الآخرين:
- التربية على مفهوم الإيثار، ومشاركة الموارد بعدل مع الآخرين، خاصة في فترات الحروب حيث تقلّ الموارد والمواد والأرزاق.
- التربية على القناعة تجعل الإنسان لا يحتكر ولا يستأثر الموارد نتيجة الخوف من النقص أو نتيجةً للطمع، خاصةً في فترات الحروب، بل يرضى بنصيبه ويوزع ويبيع الموارد بما يُرضي الله تعالى.
- التربية على القناعة تعزز التكافل مع الآخرين، ويشارك غيره بما لديه بقدر استطاعته، خاصة مع الفقراء وأصحاب الحاجة المستحقّين والنازحين من بيوتهم وأرزاقهم.
- التربية على القناعة باحترام حدود الله تعالى، وعدم تخطّيها، ومحاربة النفس الأمّارة بالسوء من خلال الحسد والطمع برزق الآخرين من أرزاق مختلفة كالمال والمكانة وغيرها..إلخ ﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ ۚ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ﴾ [طه: 131].
- تربية الأطفال بأنّ الغنى هو في العطاء، وليس فقط في الكسب، من خلال تدريبهم على مفهوم الصدقة والبذل المادي والمعنوي، بما يساهم في تعزيز مفهوم التكافل خاصة في فترات الأزمات والحروب والانهيار الاقتصادي.
ث- العلاقة مع الطبيعة:
- التربية على القناعة في العلاقة مع الطبيعة والموارد تعتمد على مفهوم ترشيد الموارد، وعلى عقيدة أن الإنسان مستَخلَف في هذه الأرض ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً ۖ ﴾ [البقرة: 30].، فهذه الأرض ومواردها هي أمانة في عنقه، وبالتالي فالقناعة في استهلاكها هو السبيل لصلاحها وديمومتها بإذن الله تعالى. وما الحروب القائمة في العالم سابقًا أو حاليًا إلاّ خلفيتها قائمة على النظرة المادية المبنية على حبّ التملّك والسيطرة واستهلاك الموارد دون حدود دينية أو أخلاقية أو إنسانية.
- التربية على القناعة من خلال النموذج العملي في ترشيد استهلاك الماء والطعام وغيرها من الموارد ضمن حدود درء المخاطر وتأمين الحدّ الأدنى من المعيشة، خاصة في فترات الحروب حيث يكون تأمين الموارد دونه مخاطر وصعوبات جمّة.
- التربية على القناعة تكون من خلال التأكيد على أن احترام البيئة المحيطة ليس ترفًا بل واجبًا شرعيًا وأخلاقيًا، فلا يلوّث الإنسان المؤمن الطبيعة تحت حجّة النزوح أو الحرب، إلاّ اللهم في حالات الضرورة الشرعية القصوى التي قد تبيح المحظورات.
التربية على القناعة وعلاقتها بالنصر
أ- النصر الروحي بالقناعة:
التربية على القناعة تقرّب الإنسان من الله تعالى، وتجعله يرى النصر الحقيقي في مرضاة الله وفي السير في طريق الحق وفي نصرة المظلوم، ولا يُختصَر النصر في الغلبة المادية فقط. والقناعة تربي الإنسان على الرضى بالقضاء والقدر، وعلى الثقة بأن النصر وعد إلهي للصابرين ﴿قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلَاقُو اللَّهِ كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة: 249]. ومن الأمثلة الواقية للربط ما بين القناعة والنصر:
- الاستمرار في الصلاة والدعاء والتضرع لله تعالى رغم القصف والقتل والدمار، للثقة بأنه لا مؤثر في الوجود إلا الله.
- اليقين بأن النصر بيد الله تعالى وحده، حتى لو بدا الواقع مظلمًا، وأنى وحده النصر النهائي هو لم يتولى الله ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم ﴿وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ﴾ [القصص: 5].
ب- النصر النفسي بالقناعة:
التربية على القناعة المُستندة إلى التربية الإيمانية الإسلامية تمنح الإنسان طمأنينة نفسية داخلية، فلا يهتزّ أمام الحرمان ولا ينهار أمام فقدان الموارد، فيتحرر قلبه وعقله من القلق والاضطراب، نتيجةً للثقة بالله تعالى بأنّ الرزق عليه، وهو مكفّل به لكل مخلوقاته. وهذا الاستقرار النفسي يجعل الإنسان المؤمن أكثر مرونةً وقدرةً على مواجهة الحرب والشدائد. فمثلاً:
- المجاهد الذي يرضى بالقليل من الراحة والطعام، يبقى ثابتًا في الميدان.
- الأسر النازحة التي تكتفي بالقليل من الموارد، وتشكر الله تعالى على هذه النِعَم، تزرع الطمأنينة في نفوس أبنائها.
ت- النصر الاجتماعي بالقناعة:
التربية على القناعة تزرع روح التعاون والتكافل والإيثار داخل المجتمع. فحين يرضى كل فرد بنصيبه، يقلّ التنافس السلبي، وتزداد روح المشاركة والبذل والعطاء، فثقافة القناعة تخلق مجتمعًا أكثر تماسكًا، وأقل عرضةً للتفكك تحت ضغط الحرب. فمثلاً:
- تقاسم الأكل والأرزاق بين الأسر النازحة في مراكز النزوح تاسهم في التكاتف والتكافل والتعاون والتضامن والمسانجة بين هذه الأُسر.
- المبادرات الشعبية التي تقوم على التطوّع وبذل الفائض للآخرين، تساهم في خلق ثقافة القناعة وبأن الرّبح هو في العطاء وليس فقط في الكسب.
ث- النصر العسكري بالقناعة:
التربية على القناعة تخلُق المرونة وتزيد من القدرة على التحمّل لدى البيئة الحاضنة ولدى المقاومين أنفسهم الثابتين في ساحات الجهاد، فبالقناعة يكتفي الإنسان بالقليل من كل شيء (الأكل، والشرب، والمال، والثياب، والرحلات الترفيهية، والشهوة، و..إلخ)، وهذا الاكتفاء يخلق لدى الإنسان قوةً وترفّعًا عن احتياجاته المادية أو المعنوية، وتصبح تلبيتها ممكنة بالحد الضروري الأدنى، فمثلاً:
- قناعة المجاهد في ساحة الحرب تجعله أكثر مرونة بتقبّل المكوث عدّة أسابيع وعدّة أشهر في مكانٍ واحد بصبرٍ وثبات لمواجهة العدو، فهذه القناعة هي من مفاتيح النصر.
- قناعة البيئة الحاضة في أماكن وظروف النزوح، وخاصة النازحين إلى مدارس أو إلى منازل هي أقل شئنًا بكثير من بيوتهم التي كانوا يسكنوها قبل الحرب، فهذه القناعة وهذا الصبر وهذه المرونة وهذا الصمود هو مفتاح من مفاتيح النصر، فالعدو يسعى لتيئيس البيئة الحاضة من خلال الضغط الاقتصادي والاجتماعي عليها، والقناعة والثقة بالله تعالى هما السبيل لمواجهة هذا العدو الغاشم.
ج- النصر التربوي بالقناعة:
التربية على القناعة ليست مجرد حالة نفسية أو اجتماعية، بل هي أيضًا منهج تربوي يُغرس في نفوس المتربين منذ الصغر، بهدف تنشئة أجيالٍ مؤمنة بأن النصر لا يُقاس فقط بالمكاسب المادية، بل بالثبات على المبادئ والقيم والحفاظ على الهوية والسعي للتحصيل العلمي. فمثلاً:
- قناعة المتربي تجعله أكثر تمسكًا بقيمه الدينية والأخلاقية وبهويته وثقافته، مهما اشتدت البلاءات ومهما كانت الضغوطات من حولهم ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ [آل عمران: 173].
- قناعة المتربي تجعله أكثر مرونةً في التعامل مع المتغيرات من حوله، فيصبر على الظروف الصعبة المحيطة به، ويسعى لاستكمال العملية التربوية التعلّمية مهما اشتدّت الظروف، إيمانًا بقيمة العلم والتعلّم في الدين الإسلامي ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ ۚ﴾ [المجادلة: 11].
الخاتمة
التربية على القناعة هي قوّة روحية، تجعل الإنسان يرى النصر في الثبات على الحق، لا في امتلاك السلاح أو المال فقط. فهي درع نفسي يحمي الإنسان من الانكسار الداخلي، ويجعله يرى النصر في الثبات والصمود لا في الكثرة فقط. وهي رأسمال اجتماعي تجعل المجتمع كتلةً واحدةً متماسكة، وهو ما يشكّل أساسًا للتضامن والتكافل الجماعي. وهي قوّة عسكرية مبنيّة على صبر المقاومين والبيئة الحاضنة النازحة الشريفة، وهي نظام تربوي متكامل ينعكس على علاقة الإنسان بربه، وبنفسه، وبمجتمعه، وبالطبيعة. من خلال القيم التربوية والدينية، والهويّة والمبادىء التي يجب التمسّك بها والمحافظة عليها.
فالتربية على القناعة ليست دعوة إلى السكون أو الاستسلام، بل هي دعوة إلى التحرر من قيود الثقافة المادية والطمع، وإلى بناء إنسان قادر على مواجهة الحرب والشدائد بثبات ورضا ومرونة وإيثار. فالقناعة هي مفتاح من مفاتيح النصر، لأنها تمنح الإنسان المؤمن القوة الداخلية التي تجعله ينتصر على نفسه أولًا (الجهاد الأكبر جهاد النفس) ثم على عدوه ثانيًا (الجهاد الأصغر). وهكذا يصبح النصر الحقيقي هو نصر القيم والتربية والعقائد الحقّة.
المصادر والمراجع
القرآن الكريم
الكلمات المفتاحية للمقال:
تعليقات