التربية على القناعة مفتاح من مفاتيح النصر (الجزء الأول: البناء النظري)
عندما يُطرح مفهوم التربية على القناعة، يتبادر مباشرةً إلى الذهن الجانب الاقتصادي، لكن الحقيقة أن بنية هذا المفهوم وأصوله تنبع من الفلسفة التربوية التي يحملها، فهو يهدف إلى غرس الرضا في النفس الإنسانية بجميع أبعاده وميادينه، ولا يقتصر على الجانب الاقتصادي فقط مثل الكفاف والابتعاد عن الطمع، بل يتعلّق بالرضا الروحي المبني على أسس دينية ونفسية وأخلاقية وإنسانية من خلال الرضى بما يقسمه الله من أرزاق، حيث تُعد القناعة في الإطار الإسلامي ثمرة الإيمان بالقضاء والقدر ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَّقْدُورًا﴾ [الأحزاب: 38].
وينطلق ذلك من التربية والتنشئة والقدوة من خلال احترام العلاقة مع الله تعالى، ومع النفس، والآخرين، والطبيعة. بما يحقق أهداف السكون والسلام النفسي الشخصي والمجتمعي، وتقليل الطمع، وعيش الحياة الطيبة ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾ [النحل: 97].
أما في الجانب العملي فتركز التربية على القناعة في تحويل الدوافع السلبية (الطمع، المقارنة اجتماعية) إلى قيم داخلية إيجابية تنظر للموارد المحدودة كنِعَم أحيانًا وكابتلاءات أحيانًا أخرى، من خلال نظرة دينية روحية معاكسة للنظرة الماديّة التي تعتبر قلّة الموارد مشكلة تولّد الأزمات النفسيّة وتحدّد قيمة الإنسان في الُسلَّم الاجتماعي والإنساني.
والتربية على القناعة تستند على:
- الشريعة والنظام الإسلامي المرتكز على التربية الإيمانية بكل أبعادها (العقائدي، الفقهي، الأخلاقي).
- القدوة الأسرية والمدرسية والعلمائية والكشفية من خلال سلوك الوالدين والمعلمين وعلماء الدين والقادة الكشفيين العملي، والذي هو أهم من الوعظ النظري،فالغرس بالمثال التربوي العملي المُعاش أقوى من التوجيه النظري.
- بناء القناعة من خلال الحوار، ومن خلال ربط السلوك بالعاطفة والضمير الديني والأخلاقي.
وفي زمن الحروب والابتلاءات والشدائد، تتضاعف الضغوط النفسية والاقتصادية والاجتماعية على الإنسان، ويصبح التحدي الأكبر هو الثبات على المبادىء والحفاظ على التوازن الداخلي وعدم الانجرار وراء الطمع أو الجزع أو التزلزل. من هنا تبرز قيمة القناعة كأحد المفاتيح الأساسية للنصر، إذ تمنح الإنسان القدرة على الصمود، وتزيد من مرونته الداخلية والنفسية، وتجعله يرى النصر في حفظ الدين والقيم والأخلاق ومبادىء الحق قبل أن يكون في الغلبة العسكرية أو المادية فقط.
رغم كل هذه الحرب الهمجية اللاأخلاقية واللاإنسانية التي نشهدها على بلدنا لبنان، يجب على الإنسان الأخلاقي المسلم أن لا يخرج عن دينه وعقيدته وتربيته وأخلاقياته. فالحرب ليست مجرد ساحة صراع، بل هي اختبار للقيم التربوية والإنسانية التي يحملها الإنسان نظريًا في عقله وقلبه، والتي تشربها تربيةً من الأنساق التربوية المختلفة (الأسرة، المسجد، المدرسة، القدوات،... إلخ).
التربية على القناعة نظريًا في القرآن الكريم وردت في عدد من الآيات الكريمة، بسم الله الرحمن الرحيم:
﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا﴾ [التوبة: 51].
﴿فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ [الأعراف: 144].
﴿نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [الزخرف: 32].
﴿لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ﴾ [الحديد: 23].
﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ ۚ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ﴾ [طه: 131].
من خلال هذه الآيات الكريمة يظهر بعض أسس البناء النظري في الدين الإسلامي المرتبط بالقناعة وبقضاء الله وقدره وتوزيع الأرزاق على مخلوقاته، حيث يركز على مسائل الطمأنينة بما كتب الله تعالى لعباده، فالقناعة ليست ضعفًا، بل هي ضبط للنفس أمام تقلبات الدنيا وتغيّراتها، مع ضرورة التربية على الاقتناع بالأرزاق والشكر على عطاءات الله تعالى من نِعَم، والإيمان بأن الله تعالى يقسّم المعيشة بين الناس، فهو أكرم الأكرمين ﴿قُل لَّوْ أَنتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذًا لَّأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْإِنفَاقِ ۚ وَكَانَ الْإِنسَانُ قَتُورًا﴾ [الإسراء: 100]. مع التأكيد على أن القناعة هي ليست محصورة فقط في المال النقدي المادي، بل القناعة في كل أرزاق الله تعالى من مال وبنين وأزواج وعلم و..إلخ، من خلال غضّ البصر وتنزيه باقي الجوارح عن معصية الله تعالى، والرضى بقسمته، قسمة الحقّ والخير للإنسان.
الركن الثاني في التربية على القناعة في الدين الإسلامي هو السنّة النبوية وأحاديث آل البيت عليهم السلام وسيرتهم.
فعن الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم:
- "كن ورعاً تكن أعبد الناس، وكن قنعاً تكن أشكر الناس"1.
- "...واعلم أنّ شرف المؤمن قيامه بالليل، وعزّه استغناؤه عن الناس"2.
هذه بعض أحاديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يحثّ فيها على القناعة، حيث ترتبط هذه القناعة بالشكر، فالقناعة تخلق الرفاه والسكون النفسي لدى الإنسان، فيشعر بأنّه أغنى البشر وأعزّهم وأكرمهم، فلا يصبح عبدًا للأهواء والمادّة، بل تصبح المادة في خدمة حياته ووسيلة لعيشه ولتقرّبه من الله تعالى.
عندما سُئل مولانا أمير المؤمنين عليه السلام عن قول الله عزّ وجلّ ﴿فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾ [النحل: 97]. ، فقال: "هي القناعة"3، وروى الطبري في تفسيره عنه عليه السلام، قال: "القنوع"4.
وعن الإمام الباقر عليه السلام أنه قال "وَانْزِلْ سَاحَةَ القَنَاعَةِ بِاتِّقَاءِ الحِرْصِ، وَادْفَعْ عَظِيمَ الحِرْصِ بِإِيثَارِ القناعةِ"5.
فإذًا الحياة الطيبة مرتبطة بالقناعة وليس بكثرة الموارد، فالغنى هو غنى النفس والعقل، والقناعة هي تربية إيمانية أخلاقية، تتعلّق باتّقاء الحرص، وتتدرّج عبر ترويض النفس وتهذيبها حتى تصبح سلوكًا وقناعة داخلية
لدى الإنسان، ومحاربة الطمع وحبّ التملّك والاستئثار هو من طرق تحقيق هذا الهدف التربوي الإيماني الإسلامي.
وأخيرًا فالرسول محمد وآل بيته عليهم السلام كانوا القدوة في الزهد والرضا، فالقناعة عندهم لم تكن مجرد شعار، بل ممارسة يومية في حياتهم، حتى في أشد الظروف قسوة، فلم يعيشوا التّرف والبذخ والإسراف خارج حدود الله تعالى، ولم تغرّهم الدنيا حتّى عندما كانت الإمارة بأيديهم، فكانت المواقع هي وسيلة تقرّبهم إلى الله تعالى من خلال زهدهم وقناعتهم وحكمهم بما يرضيه.
أما في الجزء الثاني من هذا المقال التربوي فسيتم الكلام فيه عن التربية على القناعة كنموذج عملي.
القرآن الكريم
1- النوري، مستدرك الوسائل، ج 11، ص 175.
2- الصدوق، من لا يحضره الفقيه، ج 1، ص 472.
3- المدائني، شرح نهج البلاغة، ج 19، ص 55.
4- الطبري، جامع البيان في تأويل القرآن، ج 17، ص 290.
5- المجلسي، بحار الأنوار، ج 75، ص 162.
تعليقات