في التربية الحسينية
يُعدّ شعار "كلُّ يومٍ عاشوراء، وكلُّ أرضٍ كربلاء" من أكثر الشعارات حضورًا في الوعي الإسلامي الامامي، لما يحمله من دلالات تربوية وأخلاقية واجتماعية تتجاوز حدود الزمان والمكان. فليس المقصود منه استحضار حادثة تاريخية استشهد فيها الامام الحسين وأهل بيته وأصحابه فحسب، بل استلهام القيم التي صنعت عاشوراء وأنتجت ذلك النموذج الفريد من التضحية والإيثار والثبات على المبادئ. ومن هنا فإن عاشوراء ليست مدرسةً مستقلة بذاتها بقدر ما هي الثمرة والنتيجة النهائية لمنظومة التربية الحسينية التي أسسها رسول الله ﷺ والإمام علي والأئمة من أهل البيت عليهم السلام، ثم تجلت بأسمى صورها في كربلاء.
عندما ننظر إلى شخصيات كربلاء، نجد أن المواقف البطولية التي صدرت عن الإمام الحسين عليه السلام وأهل بيته وأصحابه لم تنشأ فجأة في يوم عاشوراء، بل كانت حصيلة تربية طويلة الأمد قائمة على الإيمان بالله، والالتزام بالحق، والاستعداد للتضحية في سبيل المبادئ. وحتى الحر بن يزيد الرياحي فهو لم ينقلب فجأة من كافر الى مقاتل فشهيد بين يدي ابي عبد الله الحسين(ع)، وما دليل ارتجافه قبل المعركة الا دليل على مخافته من الله التي أدت الى التحاقه بركب الصالحين، وهذه لم تنشأ في لحظتها كما يعتقد البعض.
والإمام الحسين عليه السلام نشأ في بيت النبوة، وتربى على يد جده رسول الله ﷺ وأبيه الإمام علي عليه السلام وأمه السيدة فاطمة الزهراء عليها السلام. ورافق أخيه الامام الحسن () حتى استشهاده. وقد نقلت المصادر الإسلامية بأجمعها اهتمام النبي ﷺ الخاص بالحسن والحسين وغرسه قيم الرحمة والكرامة والشجاعة فيهما.
وعن النبي ﷺ انه قال: "حسين مني وأنا من حسين" فيمكن أن نفهم ببساطة قول الرسول (ص) أن الامام الحسين قريبا منه نسبا وتربية، أما قوله "وانا من الحسين" فهو يعني اعطاءه الطهارة والعصمة وكل صفاته عدا عن النبوة، وهذا يحتاج الى كثير من الشرح ليس مكانه هنا.
وكما أن الإمام الحسين عليه السلام ورث من أبيه الإمام علي عليه السلام ثقافة المسؤولية الاجتماعية والعدل والإيثار كولي للمسلمين، وهي قيم ظهرت بوضوح في كربلاء. ولذلك يمكن القول إن عاشوراء كانت النتيجة الطبيعية والامتحان الالهي لتربية نبوية علوية رسالية عميقة، وليست حدثًا منفصلًا عن جذوره التاريخية التربوية.
ويؤكد ذلك ما ذكر في موسوعة كلمات الإمام الحسين من أن الإمام الحسين عليه السلام أعلن أهداف نهضته بقوله:
"إني لم أخرج أشِرًا ولا بطرًا ولا مفسدًا ولا ظالمًا، وإنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي.[1]"
فالإصلاح الذي خرج من أجله الإمام هو نتاج التربية الإيمانية التي تجعل الإنسان قادرًا على التضحية بنفسه وأهله في سبيل الحق.
في كربلاء أيضا تمظهرت كل مناحي التربية الاجتماعية الطويلة التي قدمها الامام الحسين عليه السلام لأهل بيته وأصحابه والتي يمكن الاشارة فيها الى العلاقات القائمة في هذا المجتمع الذي يعبر عن حقيقة الحياة الطيبة التي دعا الله تعالى اليها في كتابه الحكيم، ومن هذه النماذج:
تُجسد العلاقة بين الإمام الحسين وأخيه أبي الفضل العباس عليهما السلام أرقى صور الأخوة المبنية على الوفاء والطاعة والمحبة.
يذكر مقتل الحسين أن العباس عليه السلام كان يرى نفسه جنديًا في خدمة الإمام الحسين، ولم يفكر يومًا في مصلحة شخصية أو نجاة فردية، بل كان همه حماية الدين والعقيدة وأخيه وإمام زمانه، الذي يحمل راية الإسلام[2]. وقد تجلى الإيثار بأوضح صوره عندما وصل العباس إلى الماء يوم عاشوراء وامتنع عن الشرب تذكّرًا لعطش الحسين وأهل بيته.[3]
مثلت العلاقة بين الإمام الحسين والسيدة زينب عليها السلام نموذجًا فريدًا للتكامل الأسري.
فقد كانت السيدة زينب شريكة أخيها في مشروعه الإصلاحي، وكانت تدرك أبعاد النهضة الحسينية منذ بدايتها. وتذكر المصادر أن الإمام الحسين كان يولي أخته عناية خاصة ويستشيرها في بعض المواقف، كما كانت زينب تؤدي دورًا نفسيًا واجتماعيًا مهمًا في تثبيت النساء والأطفال[4]. كل هذا يدل على الدور الرسالي الذي يمكن أن تقوم به المرأة عبر الاقتداء بالسيدة زينب عليها السلام.
تبرز في كربلاء العلاقة التربوية العميقة بين الإمام الحسين وأبنائه.
فالإمام لم يُربِّ أبناءه على التعلق بالدنيا، وإنما على القيم والمبادئ. ويظهر ذلك في موقف ولده علي الأكبر عليه السلام عندما قال:
"يا أبت، ألسنا على الحق؟"
فلما أجابه الإمام: "بلى"، قال:
"إذن لا نبالي بالموت.[5]"
هذا الموقف يكشف نجاح التربية الحسينية في صناعة شخصية واعية مستعدة للتضحية من أجل العقيدة.
تكشف أحداث كربلاء عن شبكة متماسكة من العلاقات الأسرية القائمة على المحبة والإيثار والتكافل.
فقد كانت النساء يساندن الرجال معنويًا، وكان الرجال يحمون النساء والأطفال، وكان الجميع ينظر إلى الهدف الرسالي بوصفه أولوية على المصالح الفردية.[6]
وهناك صور متعددة وكثيرة من هذا التلاحم الأسري والاجتماعي.....
إذا كانت التربية الحسينية قد صنعت أهل البيت، فإنها أيضًا صنعت أصحابًا استثنائيين.
فقد أعلن أصحاب الإمام الحسين الذين كانوا يتمتعون ببصائر ووعي قل نظيره في ليلة عاشوراء استعدادهم للتضحية المتكررة في سبيل إمامهم. ومن أشهر كلماتهم قول مسلم بن عوسجة:
"لو علمت أني أقتل ثم أحيا ثم أقتل ثم أحيا ثم أحرق ثم أذرّى، يفعل بي ذلك سبعين مرة ما فارقتك.[7]"
كما تجلت بينهم روح الإيثار والتكافل والتفاني، وهي صفات لا تُبنى في ساعات قليلة، بل عبر سنوات من التربية العقائدية والأخلاقية. وهذا انما يدل على التربية الايمانية الراقية التي تربوا عليها.
نشأت السيدة زينب عليها السلام في بيت النبوة، وتربت على يد رسول الله ﷺ والإمام علي والسيدة فاطمة الزهراء عليهم السلام. وقد اكتسبت من هذه البيئة المحمدية القدرة على القيادة الاجتماعية والتربوية.
وتشير الدراسات التاريخية إلى أنها كانت مرجعًا للنساء في المدينة والكوفة، وأسهمت في نشر الوعي الديني والقيم الأخلاقية[8].
وخلال مسيرة كربلاء أدت دورًا مهمًا في حفظ التماسك النفسي والاجتماعي داخل المخيم الحسيني، فكانت تُهدّئ الأطفال، وتساند النساء، وتواسي الإمام الحسين عليه السلام.
بعد استشهاد الإمام الحسين عليه السلام تحولت السيدة زينب إلى القائد الإعلامي والاجتماعي للنهضة الحسينية.
فقد حافظت على وحدة أهل البيت رغم ظروف الأسر، وأعادت بناء الروابط الاجتماعية بين الناجين، ومنعت انهيارهم النفسي.
وكانت خطبتاها في الكوفة والشام من أهم عوامل نقل رسالة كربلاء التربوية إلى الأجيال اللاحقة.
راجع:
لقد نجحت السيدة زينب في تحويل المصيبة إلى مشروع وعي وإصلاح، فحفظت أهداف النهضة الحسينية من التحريف والاندثار.
إن شعار "كل يوم عاشوراء وكل أرض كربلاء" ليس دعوة إلى استحضار الحزن التاريخي فقط، بل هو دعوة إلى إعادة إنتاج التربية الحسينية التي صنعت رجال كربلاء ونساءها. فعاشوراء لم تكن مدرسةً بحد ذاتها، وإنما كانت الحصيلة النهائية لتربية إيمانية وأخلاقية واجتماعية عميقة. وقد تجلت هذه التربية في علاقات أهل البيت بعضهم مع بعض، وفي علاقة الأصحاب بإمامهم، وفي صور الإيثار والتفاني التي شهدتها كربلاء. كما برز الدور المحوري للسيدة زينب عليها السلام في بناء هذه العلاقات وحفظها قبل عاشوراء وبعدها، حتى أصبحت النهضة الحسينية مشروعًا إنسانيًا متجددًا عبر العصور.
[1] - موسوعة كلمات الإمام الحسين، معهد تحقيق باقر العلوم، قم، ص291.
[2] - عبد الرزاق المقرم، مقتل الحسين، منشورات الشريف الرضي، قم، ص287-290.
[3] - المصدر نفسه، ص319.
[4] - راجع كتاب زينب الكبرى، ص81-95.
[5] - تاريخ الطبري، دار التراث، بيروت، ج5، ص403.
[6] - اللهوف، مؤسسة الأعلمي، بيروت، ص65-90.
[7] - الإرشاد، مؤسسة آل البيت، قم، ج2، ص91.
[8] - السيدة زينب رائدة الجهاد في الإسلام، ص35-60.
تعليقات