Cancel Preloader
دراسات ومقالات المركز

التربية على العدل ورفض الظلم وعدم اليأس في سيرة أهل البيت (ع)

التربية على العدل ورفض الظلم وعدم اليأس في سيرة أهل البيت (ع)

إنّ من يتتبع سيرة النبي ص و أهل بيته (ع) ، يجد أنّ أحد أهمّ أركان الدعوة في الاسلام هو بسط العدل والخير والإحسان ورفض الظلم، ففي عصر دعوة النبي ص كان الهدف الأسمى هو اخراج الناس من الظلمات إلى النور وبث الأخلاق الحميدة والقيم السليمة في المجتمع ونبذ الظلم، عبر توحيد الله تعالى والتزام الشريعة والخروج من عادات الجاهلية والمساواة بين المسلمين واحترام الكرامة الانسانية، وقد بذل النبي(ص) جهده في هذه الدعوى حتى أوذي كثيرا، فقد ورد عنه (ص) :  "ما أوذي نبي مثل ما أوذيت " (المجلسي، ج89، ص283) ومع ذلك لم ييأس وبقي مصراً على دعوته وتحقيق هدفه، رغم وجود مصاعب كثيرة ودعاوى تبعث على اليأس والإحباط وحصار المسلمين والتضييق عليهم وقتلهم، كل ذلك لم يفقد رسول الله ص الأمل والثقة بأنّ الفرج من عند الله.

 ومن بعده حاول الأئمة (ع)  اقامة العدل بين المسلمين إلا أنّ ظروف المسلمين و العالم الاسلامي والحكام منعهم من تحقيق ذلك ، واذا تتبعنا سيرة الامام علي ع سنجد أنّه لم يقبل بالتعايش مع ظلم معاوية بن أبي سفيان ، فخاض ضده معركة صفين من أجل اقامة العدالة ورفض تسلط معاوية على الناس، وكذلك بيّن أهل البيت (ع) مخاطر الظلم وترك العدل، وبما أنّ الأمور لم تجرِ لمصلحة بسط العدل في بلاد المسلمين بعد رسول الله (ص) إلا في  مراحل محددة، بشّر أهل البيت (ع) بحكومة دولة العدل في آخر الزمان . قال رسول الله (ص): "  أبشركم بالمهدي يبعث في أمتي على اختلاف من الناس وزلزال يملأ الأرض عدلا وقسطا كما ملئت جورا وظلما يرضى عنه ساكن السماء وساكن الأرض” ( (المجلسي،  ج51، ص 74)

لذلك جعل أهل البيت (ع) نصب أعينهم اقامة دولة العدل لرفع الظلم عن الناس وجعلوا معيار شرعية الحكم في بسط العدل وهيّأوا أصحابهم وأتباعهم لهذا المشروع العظيم في ايجاد الحكومة العادلة لما فيه من بركات وآثار عظيمة على المجتمع البشري، من بسط العدل في جميع أرجاء المعمورة، واظهار الأرض لخيراتها والسماء لبركاتها، وسيادة الأمن والطمأنينة لدى الناس، وزوال الفقر والتقدم العلم، واكتمال عقول الناس وازدياد الحكمة في المجتمع. كما ورد ذلك في روايات كثيرة مثل ما روي عن أبي جعفر (ع): في قول الله عزَّ وجلَّ﴿الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ  قال عليه السلام: "المهديّ وأصحابه يملّكهم الله مشارق الأرض ومغاربها، ويظهر الدِّين. ويميت الله عزَّ وجلَّ به وبأصحابه البدع والباطل كما أمات السفهةُ الحقّ، لا يُرى أثر من الظلم، ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، ولله عاقبة الأمور" (الكوراني، ج 5، ص 266)

واظهار هذا النموذج الكامل للدولة العادلة في عصر الامام المهدي (عج) يجعل الناس تقارن مع ما يلحقها من ظلم وجور وحرمان في عصر الحكام الظالمين وما ستفقده الناس من الخير والبركة والرزق. لذلك ورد في دعاء العهداللهم واجعله مفزعاً للمظلوم من عبادك، وناصراً لمن لا يجد ناصراً غيرك". ( المجلسي، ج 91، ص 42) حيث الأمل بدولة الحق وانتهاء الظلم يربّي الانسان على عدم اليأس والعمل من أجل اظهار العدل وعدم قسوة القلوب.

 فعن الرضا (ع): "إنّ الشيعة تربى بالأماني منذ مائتي سنة...وإنّ أمرنا لم يحضر فعللنا بالأمانّي، ولو قيل لنا: إن هذا الامر لا يكون إلى مائتي سنة أو ثلاثمائة سنة، لقست القلوب، ولرجعت عامة الناس عن الاسلام، ولكن قالوا: ما أسرعه وما أقربه؟ تألفاً لقلوب الناس وتقريبا للفرج". (المجلسي، ج 52، ص 102).

اذاً لا بد من استلهام قيم العدل والرفض الظلم والأمل وعدم اليأس من سيرة أهل البيت (ع) والاقتداء بهم من أجل مواجهة الظلم في عصرنا الحاضر وخاصة ظلم دول الاستكبار والمستكبرين كالغرب لا سيما الولايات المتحدة الأميركية وربيبتها (إسرائيل)، وهذا يستدعي التربية على عدة أمور مستفادة من سيرتهم (ع):

  1. عدم التبرير للحاكم الظالم :التبرير للظالم والحاكم المستبد من أشدّ المحرمات، فانّ بعض الناس دَرَجَ على اختلاق الأعذار للظالم بدل الانتصار للمظلوم ، والله تعالى قد أعدّ العقوبة لمن يعذر الظالم بظلمه، في الدنيا قبل الآخرة، فقد ورد عن أبي عبد الله (ع) أنّه قال: "  مَنْ عَذَرَ ظَالِماً بِظُلْمِهِ سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِ مَنْ يَظْلِمُهُ فَإِنْ دَعَا لَمْ يَسْتَجِبْ لَهُ وَلَمْ يَأْجُرْهُ اللَّهُ عَلَى ظُلَامَتِهِ" (الكليني، ج 2، ص 334) فالأثر الوضعي لمن يعذر الظالم في ظلمه هو ان يسلط الله عليه من يظلمه، جزاءَ خذلانه للمظلوم وإعذاره الظالم في ظلمه، وفوق ذلك فانّه لا يعطيه الله أجراً رغم وقوعه مظلوماً مع أنّ أجر المظلوم عظيم وذلك لمجرد أنّه عذر ظالماً يوماً ما في ظلمه. ونجد اليوم البعض يحاول التبرير للظالمين كأمريكا وإسرائيل في قتل الشعوب المظلومة، وقد ينجرّ بعض المؤمنين وراء هذه التبريرات مما يوقعهم في محاذير شرعية وأخلاقية عدة.
     
  2. عدم التعود على الظلم ومعرفة الحق من الباطل : قد يتعوّد النّاس على الظلم، وقد يصلون إلى مرحلة يرضون بالأمر الواقع أو لا يرون ما يحل بهم أنّه ظلم من حكام الجور، وهذا له اسباب كثيرة، ولكنّ المهم هو معرفة معيار الحق والباطل والظلم والعدل ولا يكون ذلك بكثرة اتباع الناس لاتجاه معين فقد يكون ما يراه الناس خلاف الحق،  يقول الامام علي (ع) :"  ما خير بخير بعده النار، وما شر بشر بعده الجنة"   (نهج البلاغة، الحكمة 384)  وهذا الانقلاب في المعايير والمفاهيم في المجتمع سببه فساد العباد والبلاد وتسلط حكام الجور،  قال رسول الله (ص) :"كيف بكم إذا فسد نساؤكم، وفسق شبانكم، ولم تأمروا بالمعروف ولم تنهوا عن المنكر، فقيل له: ويكون ذلك يا رسول الله؟ قال: نعم وشر من ذلك؟ كيف بكم إذا أمرتم بالمنكر، ونهيتم عن المعروف، قيل يا رسول الله ويكون ذلك؟ قال: نعم، وشر من ذلك كيف بكم إذا رأيتم المعروف منكرا والمنكر معروفا" ( المجلسي، ج 52،ص 181).

وقد روي في تاريخ اليعقوبي: "وقال له (لعلي (ع)) الحارث بن حوط الراني: أظن طلحة والزبير وعائشة اجتمعوا على باطل؟ فقال: يا حارث! إنه ملبوس عليك، وإن الحق والباطل لا يعرفان بالناس، ولكن اعرف الحق تعرف أهله، واعرف الباطل تعرف من أتاه" ( تاريخ اليعقوبي، 1995 ج2،ص 210).  فوضع (ع) له معياراً لمعرفة الحق من الباطل والظلم من العدل وهو معرفة حدود الحق، ولا يشتبه على الانسان اتباع بعض الشخصيات المعروفة أو المشهورة للباطل، فقد يلتبس الأمر على كثير من الناس.

ويعرف هذا الحق من خلال التمسك بالقرآن الكريم والعترة المطهرة (ع)  كما وضّح ذلك النبي (ص): "إنّي تارك فيكم الثقلين ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا: كتاب الله وعترتي أهل بيتي وأنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض".(الحر العاملي، ج27، ص 34).وقد أراد أهل البيت (ع) أن يبني أصحابهم منهجية في التفكير في معرفة الحق من الباطل على أسس علمية لا عاطفية، عبر فهم وتدبر القرآن الكريم وجعله معيارا في قبول الأحاديث والمفاهيم وكل ما له علاقة بالإنسان والمجتمع الانساني،  وعبر اتباع سيرتهم وتعاليمهم (ع )، لتكون معرفة الظلم على أساس المعيار القرآني ومنهج أهل البيت (ع).
 

  1.  رفض الظلم يحتاج إلى تضحيات: إنّ رفض الظلم ورفعه عن الناس في المجتمع يحتاج إلى تضحية ومجاهدة وصبر وتحمل، فلن يرضخ الظالمون بسهولة لترك مناصبهم ولن يترك الناس ما تعودوا عليه في يوم وليلة، لذلك إّن العمل على ازالة الظلم يستلزم من أتباع الحق تضحيات جسيمة في سبيل اعلاء كلمة الله، وقد تصل إلى تقديم النفس والشهادة من أجل ارساء مفهوم أخلاقي أو الثبات على موقف الحق أو ايقاظ الناس من سباتهم بسبب سيطرة الظلم واليأس في المجتمعات.

فثورة الحسين (ع) في نصرة الحق ورفض الظلم أبرز مثال على التضحية من أجل ايقاظ الأمة وبيان سوء تهاونها مع الحاكم الجائر.  فقد ورد أنّ الحسين(ع) خطب في الناس: "أيها الناس! إنّ رسول الله قال: من رأى سلطاناً جائراً مستحلاً لحرم الله، ناكثاً لعهد الله، مخالفاً لسنّة رسول الله، يعمل في عباد الله بالإثم والعدوان، فلم يغيّر عليه بفعل ولا قول، كان حقاً على الله أن يدخله مدخله، ألا وإنّ هؤلاء قد لزموا طاعة الشيطان، وتركوا طاعة الرحمن، وأظهروا الفساد وعطّلوا الحدود، واستأثروا بالفيء، وأحلّوا حرام الله، وحرّموا حلاله وأنا أحقّ من غيّر" (الطبري، 1967 ، ج4، ص 304) .

فجعل الحسين (ع) أحد أسباب حركته هو رفض الظلم والجور والمنكر عملا بوصية رسول الله (ص) حيث أسس قاعدة عامة في مواجهة الظالم الذي يتصف بهذه الصفات المذكورة في خطابه، وهو غير خاص بعصر حضور المعصومين (ع) بل يوجد بعدهم إلى يوم الدين، فسنّ سنّة عمل عليها أتباعه من بعده، وضحى الكثير من شيعته بأنفسهم في سبيل راية الحق ورفض الظلم، إلى يومنا هذا، حتى غدا شعار " هيهات منا الذلة"  شعار الثائرين والمظلومين في وجه الحكام الجائرين، وكان يرشد (ع)  اصحابه  أيضاً، إلى سبب من اسباب الثورة المباركة :" ألا ترون أن الحقّ لا يعمل به وأن الباطل لا يتناهى عنه؛ ليرغب المؤمن في لقاء الله محقاً، فإني لا أرى الموت إلاّ سعادة (شهادة)، ولا الحياة مع الظالمين إلاّ برماً(ندما). (المجلسي، ج44، ص381).  فالمعيار في قيام هذه الثورة هو عدم العمل بالحقّ وعمل السلطة بالباطل، وهو معيار كلّي عقلاني ومفهوم يجعلنا قادرين على الاستفادة من هذه الثورة لتأسيس مبدأ في شرعية الثورات ضد الأنظمة الفاسدة ومقاومة الاحتلال وقتال الظالمين.
 

  1. عدم استخدام الظلم لرفع الظلم عن أنفسنا: فرغم معرفته(ع)  يوم العاشر من محرم بشهادته، ورغم كل المظلومية التي عاشها، كانت الوصية  في اللحظات الأخيرة من حياة سيد الشهداء  الحسين  (ع) حين دخل على خيمة ابنه السجاد (ع)  آخر مرّة من يوم العاشر من المحرّم، وجراحاته تشخب دماً ليوصيه بوصاياه، ويقول له كما ورد عن  الباقر (ع) لمّا حضر علي بن الحسين عليهما السلام الوفاة ضمنّي إلى صدره، ثم قال: "يا بني أوصيك بما أوصاني به أبي حين حضرته الوفاة، قال: يا بني، إياك وظلم من لا يجد عليك ناصراً إلا الله" (الحر العاملي، ج 16، ص 42)، فعطش الامام الحُسين(ع) وجوعه وغربته، وعناؤه والذب عن حرائر بيت الرسالة، ووقوفه وحيداً فريداً لا ناصر له ولا معين، كل هذا لم يمنع مولانا سيد الشهداء ( ع) أن يؤدّي هذه الوصية لولده الإمام زين العابدين  (ع) وهي تبين أنّه (ع) يقاتل من أجل العدل، فكيف يأمر بغيره به دون أن يعمل به، بل يؤكد على العدل وعدم الظلم لأنه ثار من أجل ارساء هذه المفاهيم في المجتمع واستشهد (ع) من أجلها.
     
  2. أداء التكليف وبث القيم ونشر الأخلاق رغم الظلم اللاحق بنا: لم يشغل اهل البيت (ع) الظلم الذي لحق بهم عن بث مفاهيم الاسلام وتعاليم، فقد كان علي(ع) يوما في حرب صفين مشتغلا بالحرب والقتال، وهو مع ذلك بين الصفين يرقب الشمس، فقال له ابن عباس: يا أمير المؤمنين، ما هذا الفعل؟ فقال (ع):" أنظر إلى الزوال حتى نصلي. فقال له ابن عباس: وهل هذا وقت صلاة؟! إن عندنا لشغلا بالقتال عن الصلاة. فقال (ع) علام نقاتلهم؟ إنما نقاتلهم على الصلاة" (المجلسي، ج 83، ص23  ) فلا يشغله القتال عن واجباته وهو يقاتل من أجل اعلاء كلمة الله تعالى فكيف يخالفها، فهو يقاتل لإقامة العدل وارساء الأخلاق في المجتمع وبناء المجتمع التوحيدي واشاعة عبادة الله على الأرض وليس القتال لأجل التسلط فقط أو من أجل ملك أو جاه، فالأهداف التي قام من أجلها الامام علي (ع) كانت في سبيل الله وما يريده الله سبحانه وتعالى.

يظهر من تتبع سيرتهم (ع) شدة اهتمامهم (ع) ببناء الجماعة الصالحة وتربيتهم على العدل ورفض الظلم وعدم اليأس والتضحية والتحمل والصبر من أجل هذه القيم والمبادئ، وهو ما يجب التربية عليه لبناء الأجيال الصالحة التي تحمل قضية رفض الظلم والاحتلال وتحمل تبعات مقاومته.
 

المصادر والمراجع:

  • نهج البلاغة
  • المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار، 1985، مؤسسة الوفاء، لبنان.
  • الحر العاملي، محمد بن الحسن، وسائل الشيعة، 2003، مؤسسة أهل البيت ع، العراق.
  • الكليني، محمد بن يعقوب، الكافي، 2003، منشورات الغدير، لبنان.
  • الكوراني، علي، معجم أحاديث الامام المهدي عج،1993، مؤسسة المعارف الاسلامية، الجمهورية الاسلامية الايرانية.
  • اليعقوبي، أحمد، تاريخ اليعقوبي، 1995، دار صادر، لبنان.

آخر تحديث : 2026-06-10
الكلمات المفتاحية للمقال:
مشاركه في:

تعليقات

اترك تعليقك هنا

  • shape
  • shape
  • shape
  • shape