Cancel Preloader
دراسات ومقالات المركز

حضور الشهيد وحياته البرزخية في التربية الإيمانية - الجزء الأول

حضور الشهيد وحياته البرزخية  في التربية الإيمانية - الجزء الأول

 كيف ننظر إلى الشهيد؟

إنّ حضور الشهيد في حياتنا المادية والدنيوية هو حضور كبير جدًّا . ونحن نعيش هذا الحضور أحيانًا من خلال الذكرى، وأحيانًا من خلال الأثر الذي تركه، وأحيانًا من خلال التحوّل الذي يحدثه في قلوب أهله وأصدقائه وكل من عرفه. ومع ذلك، يبقى عندنا حجاب يمنعنا من إدراك حقيقة هذا الحضور كما هي.

ونحن مبتلون بالحجب الموجودة على البصيرة. وهذه الحجب تجعلنا نرى الجسد عندما يكون أمامنا، ثم نظن أن الإنسان غاب عندما يغيب جسده. نرى المكان الذي كان يجلس فيه فارغًا، ونسمع الصمت في الموضع الذي كان يأتي منه صوته، ونشعر أنّ المسافة بيننا وبينه أصبحت كبيرة. غير أنّ حقيقة الإنسان أوسع من جسده، وحياته أوسع من السنوات التي قضاها معنا في الدنيا.

إنّ الله سبحانه وتعالى أخبرنا بأن الوجود كلّه حاضر في تسبيحه: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾[1]فإذا كانت الموجودات كلّها قائمة بحمد الله وتسبيحه، فكيف بالإنسان المؤمن؟ وكيف بالشهيد الذي اختار طريق الله، وقدّم نفسه في هذا الطريق، ثم أخبرنا الله سبحانه وتعالى عن حياته ورزقه وفرحه؟

من هنا ينبغي أن نبدأ. علينا أن نعيد النظر في معنى الموت نفسه، ثم نفهم الخصوصية التي منحها الله للشهيد.

 

 الموت انتقال من دار إلى دار

نحن، في العادة، ننظر إلى الموت من جهة الفقد؛ لأننا نرى ما يتركه في حياتنا من فراغ. الأم ترى مكان ابنها، والأخ يفتقد أخاه، والصديق يعود إلى الذكريات التي جمعته بصديقه، وكل واحد يشعر أنّ جزءًا من حياته قد ابتعد عنه. وهذا شعور إنساني طبيعي، ولا يستطيع أحد أن يطلب من الإنسان أن يتجاوز لوعة الفراق بسهولة.

لكنّ القرآن الكريم يفتح لنا نافذة أخرى للنظر. فالإنسان، عندما يموت، لا يخرج من الوجود، ولا يتحول إلى عدم. إنّه ينتقل من عالم إلى عالم، ومن دار إلى دار، ويبدأ طورًا آخر من حياته. الجسد يبقى في الأرض، بينما تتابع الروح رحلتها في العالم البرزخي.

وقد قرّب الإمام الحسين عليه السلام هذا المعنى إلى أصحابه يوم عاشوراء، فقال: «صبرًا بني الكرام، فما الموت إلا قنطرة تعبر بكم عن البؤس والضرّاء إلى الجنان الواسعة والنعيم الدائمة"[2]، فالموت في هذا التصوير ليس سقوطًا في العدم، وهو عبور من طور إلى طور، ومن ضيق الدنيا إلى ما أعدّه الله لعباده.

وتشير روايات أهل البيت عليهم السلام إلى بقاء وعي المؤمنين وتعارفهم في الحياة البرزخية. فقد رُوي عن الإمام الصادق عليه السلام: «إنّ الأرواح في صفة الأجساد في شجرة في الجنّة، تعارف وتساءل"[3].. وهذه الصورة لا تجعل الحياة البرزخية نسخةً من الحياة المادية، وهي تؤكد أنّ الروح لا تفقد هويتها وإدراكها بعد مفارقة الجسد.

إنّ هذه القضية لا تختص بالشهيد وحده؛ فكل إنسان ينتقل بعد الموت إلى حياة البرزخ. غير أنّ حياة الشهيد تمتلك خصوصية قرآنية واضحة. ولهذا يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْوَاتًا أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ، فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾[4].

إذا تأمّلنا هذه الآيات، نرى أنّ الله سبحانه وتعالى لم يذكر حياة الشهيد بكلمة واحدة ثم ينتهي الحديث. لقد فتح أمامنا مجموعة من المعاني التي تكشف لنا طبيعة هذه الحياة: قال إنّهم أحياء، وإنّهم عند ربهم، وإنّهم يُرزقون، وإنّهم فرحون، وإنّهم يستبشرون بمن لم يلحق بهم.

فكل تعبير من هذه التعبيرات يفتح لنا بابًا.

إنّ قوله تعالى: ﴿أَحْيَاءٌ﴾ يعني أن حياتهم حقيقية. فالمقصود يتجاوز بقاء أسمائهم في ذاكرة الناس أو استمرار الحديث عنهم. وهذه الآثار موجودة ومهمة، لكن الآية تتحدث عن حياة حقيقية في عالم البرزخ.

وقوله تعالى: ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ يدل على مقام القرب والكرامة. وهذه العندية لا نقيسها بالمسافات المادية؛ لأن الشهيد انتقل من مقاييس عالمنا إلى عالم آخر. إنّها عندية المنزلة والقرب والرعاية الإلهية. ولذلك، عندما نفكر في الشهيد، لا ينبغي أن نتخيله وحيدًا أو ضائعًا أو متروكًا. إنّه عند ربّه، وأيّ طمأنينة يمكن أن تكون أعظم من أن يكون الإنسان في رعاية الله وقربه؟ ثم يقول تعالى: ﴿يُرْزَقُونَ﴾، والرزق هنا يكشف أنّ الشهيد لا يعيش حياة حرمان. لقد غادر عالمنا، لكنه دخل في رزق لا نستطيع نحن، ضمن حدود حياتنا المادية، أن نحيط بحقيقته. والشيخ جوادي آملي يلفت النظر إلى أنّ هذا الرزق ليس عملًا جديدًا يقوم به الشهيد في الآخرة، فهو ثمرة لما قدّمه في الدنيا، وثمرة شهادته وصدقه وإخلاصه.

إنّ الدنيا هي موضع العمل والاختيار. وفيها يربي ويبني الإنسان صورته الباطنية، ويزرع ما سيجده أمامه بعد رحيله. فعندما يصل الشهيد إلى عالم البرزخ، يجد ثمرة ما زرعه، ويجد الرزق الذي أعدّه الله له. ومن هنا نستطيع أن نفهم أنّ الشهادة لا تقطع مسار الإنسان، فهي تكشف ثمرة المسار الذي اختاره وعاشه.

وقد عبّر أمير المؤمنين عليه السلام عن هذا الفارق بين الدارين بقوله: «إنّ اليوم عمل ولا حساب، وغدًا حساب ولا عمل"[5] فالحياة البرزخية تكشف الثمرة، أمّا صناعة تلك الثمرة فتقع في زمن الاختيار والعمل.

وبعد ذلك يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾. وهذه نقطة مهمة جدًّا لأهل الشهيد. نحن نحزن هنا، بينما يخبرنا الله أنّ الشهيد يعيش الفرح هناك. نحن نبكي بسبب المسافة والفراق، وهو يفرح بما آتاه الله من فضله. نحن ننظر إلى اللحظة التي غادر فيها، وهو يرى المقام الذي وصل إليه.

وهذا لا يلغي حزننا، ولا يجعل الدموع أمرًا مستغربًا. إنّ الحزن يتصل بالمحبة، وكلما كان الإنسان عزيزًا كان فراقه أشد. وفي الوقت نفسه، يفتح الإيمان داخل هذا الحزن مساحة للطمأنينة. فنحن نعلم أنّ من نحبّه لم يذهب إلى الضياع، وقد انتقل إلى فضل الله ورزقه وقربه.

ثمَّ تقول الآية إنّ الشهداء ﴿يَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ﴾، والاستبشار حالة من الفرح المتصل بالآخرين. فالشهيد لا يظهر في الآية منقطعًا عمّن تركهم خلفه. إنّه يستبشر بهم، وتصل إليه البشارة المتعلقة بهم. وهذا المعنى يطمئن القلب؛ لأن العلاقة لم تتحول إلى عدم، والمحبة التي كانت قائمة في الدنيا لم تصبح شيئًا فارغًا.

ولذلك، يكون الشهيد فرحا بما آتاه الله، ومستبشراً بمن بقي بعده. لذلك لا يريد لأهله أن يغرقوا في اليأس، ولا يريد لحياتهم أن تتوقف عند لحظة استشهاده. حاله عند الله يدعوهم إلى الطمأنينة، ومساره يدعوهم إلى مواصلة الطريق، وذكراه تفتح أمامهم بابًا للتقرب إلى الله.

وعندما نفهم الآية بهذه الطريقة، تتغير نظرتنا إلى الفقد. يبقى الحزن حاضرًا، وتبقى لوعة الفراق، لكننا نحمل معها معرفة أخرى: أنّ الشهيد حي، وأنّه عند ربّه، وأنّه مرزوق، وأنّه فرح، وأنّه يستبشر بمن يحبهم.

ومن هنا يبدأ حضور الشهيد الحقيقي في حياتنا. يبدأ عندما تتحول معرفتنا بحياته من فكرة نردّدها إلى يقين يخفف عنا ثقل الفراق، ويجعلنا ننظر إلى مقامه بعين المحبة والطمأنينة.

 

الشهادة: الحماسة والعرفان

بعد أن نفهم أنّ الموت انتقال من دار إلى دار، وأنّ للشهيد حياة خاصة عند الله سبحانه وتعالى، يأتي السؤال الأهم: كيف وصل الشهيد إلى هذا المقام؟ ما الذي حدث في داخله حتى استطاع أن يقدّم نفسه، وأن يعبر من التعلّق بالدنيا إلى هذا النوع من التسليم؟

هنا نتحدث عن العلاقة بين الحماسة والعرفان.

الحماسة هي أن يقف الإنسان في وجه الظلم، وأن يمتلك الشجاعة للدفاع عن الحق، وأن يكون مستعدًّا لتحمّل ثمن موقفه. والعرفان هو أن يعرف الإنسان ربّه، وأن يرى نفسه عبدًا لله، وأن يتحرر قلبه شيئًا فشيئًا من التعلّق بنفسه وبما يملكه.

وعندما تجتمع الحماسة والعرفان، يصبح موقف الإنسان نابعًا من معرفته بالله، وتصبح معرفته بالله حاضرة في سلوكه وموقفه.

فالإنسان قد يمتلك حماسة كبيرة، لكنّ الحماسة إذا ابتعدت عن معرفة الله قد تتحول إلى غضب شخصي أو رغبة في الانتقام أو اندفاع لا يعرف الإنسان غايته.

وقد يتحدث الإنسان عن العرفان والمحبة والقرب من الله، ثم يبقى بعيدًا عن آلام الناس وعن مواجهة الظلم. أمّا العرفان الصادق، فيظهر أثره عندما يُطلب من الإنسان موقف، وتظهر الحماسة الصادقة عندما تكون خاضعة للحق.

وقد عبّر الشيخ جوادي آملي عن هذا التلازم بقوله: "الجهاد الحقيقي لا يتيسّر بدون العرفان الخالص، كما أنّ العرفان الخالص لا يُستحصل بدون الإيثار بالمال والجاه والنفس"[6] فالمجاهد يعرف لماذا يتحرك، والعارف يعرف أنّ معرفته تضع عليه مسؤولية. ومن هنا تصبح الحماسة طريقًا لتسامي الروح، ويصبح العرفان روحًا تهدي الحماسة وتحفظ اتجاهها.

وعندما ننظر إلى الشهيد من هذا الباب، نفهم أنّ شهادته لم تبدأ في اللحظة التي أصابته فيها الرصاصة أو وقع عليه القصف. الشهادة بدأت بتربية وتهذيب النفس في وقت أسبق، في تلك اللحظات الصغيرة التي اختار فيها الله على نفسه، وفي كل مرة ضبط فيها رغبة من رغباته، أو التزم فيها واجبًا، أو قدّم مصلحة الآخرين على راحته.

ولهذا ربطت الروايات بين الجهاد الظاهر وجهاد الباطن. فقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله: «إنّ أفضل الجهاد من جاهد نفسه التي بين جنبيه"[7] فالموقف الأخير لا ينفصل عن انتصارات سابقة حققها الإنسان على خوفه وهواه وتعلّقه بنفسه.

نحن نرى اللحظة الأخيرة من حياة الشهيد، لأنّها اللحظة التي يظهر فيها كل شيء. لكنّ الله سبحانه وتعالى يرى المسار التربوي للشهيد كلّه. يرى الصلوات التي حافظ عليها، والصدق الذي التزمه، والخدمة التي قدّمها، والخوف الذي قاومه. يرى السنوات التي ربّى فيها نفسه حتى أصبح قادرًا على اتخاذ موقفه الأخير.

لهذا قد نجد عند بعض الشهداء خصلة واحدة واضحة جدًّا. قد يكون الشهيد معروفًا بالمحافظة على الصلاة في وقتها، أو بخدمة الناس، أو بالتعلّق بأهل البيت عليهم السلام، أو بصدق الكلمة. وقد نظنّ أنّ هذه خصلة بسيطة، لكنّ الاستمرار عليها عشر سنوات أو عشرين سنة يكشف عن تربية داخلية طويلة.

إنّ القليل من العمل عندما يداوم عليه الإنسان يترك أثرًا عميقًا في روحه. وكل مرة يختار فيها الطاعة، يصبح اختياره التالي أقوى. وكل مرة ينتصر فيها على نفسه، يصبح أكثر استعدادًا للموقف الأكبر. وعندما تأتي لحظة الامتحان، يظهر ما بناه الإنسان في داخله خلال سنوات.

وفي هذا المعنى قال الإمام الباقر عليه السلام: «أحبّ الأعمال إلى الله عزّ وجلّ ما داوم عليه العبد وإن قلّ"[8] فقيمة الأعمال التربوية لا تتحدد بحجمه وحده، إذ إنّ الثبات عليه هو الذي يحوّله إلى ملكة راسخة في النفس.

من هنا نفهم أنّ الشهيد لم يصل إلى مقامه مصادفة. لقد سار في طريق تربوي، وربّى نفسه ضمن مدرسة أهل البيت عليهم السلام، حتى أصبحت التضحية ممكنة عنده. ونحن عندما ندرس حياة الشهيد، ينبغي أن نبحث عن هذا الطريق، لا أن نقف عند لحظة استشهاده وحدها. نسأل: كيف كان يتعامل مع والديه؟ كيف كان يحفظ أمانته؟ ماذا كان يفعل عندما يخلو بنفسه؟ كيف كان ينظر إلى الناس؟ ما العمل الذي حافظ عليه سنوات؟ ما الآية التي عاش معها؟ وما العلاقة التي كانت تربطه بالله حتى استطاع أن يقدّم حياته؟

إنّ هذه الأسئلة تقرّب الشهيد من الناس. فهو لم يولد مباشرة في مقام الشهادة، وقد وصل إليه من خلال اختيارات متتابعة. وهذا يفتح أمامنا نحن أيضًا باب الأمل. فإذا كان الشهيد قد وصل من خلال تربية النفس، فالطريق ما زال مفتوحًا أمام كل إنسان يريد أن يسير إلى الله.

 

 حضور الشهيد في حياتنا: الحقيقة البرزخية والأثر الدنيوي

بعد أن نفهم حياة الشهيد عند ربّه، نصل إلى السؤال الذي يشغل أهل الشهيد وأصدقاءه: هل يبقى الشهيد حاضرًا في حياتنا؟ هل يعرف شيئًا عن أحوالنا؟ وهل يمكن أن تكون له صلة بمن تركهم خلفه؟

هذه الأسئلة طبيعية، لأنها تصدر عن المحبة. فالإنسان الذي أحبّ شخصًا وعاش معه سنوات لا يستطيع أن يتعامل مع رحيله كأنّ العلاقة انتهت تمامًا. يبقى يبحث عن معنى لهذه الصلة، ويرى الشهيد في المنام أحيانًا، ويشعر بقربه في بعض المواقف، ويلاحظ أثره في حياته بعد شهادته.

يعطينا القرآن الكريم أصلًا مهمًّا يمكن أن ننطلق منه. فعندما يقول الله سبحانه وتعالى إنّ الشهداء ﴿يَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ﴾[9]، نفهم أنّ الشهيد لا يعيش حالة انقطاع كامل عمّن بقي في الدنيا. والاستبشار بالآخرين يدل على وجود معرفة واتصال من نوع يناسب العالم البرزخي.

نحن لا نعرف تفاصيل هذا الاتصال، ولا نستطيع أن نقيسه على الطريقة التي نتواصل بها في الدنيا. فعالم البرزخ له قوانينه، ونحن لا نملك من هذه القوانين إلا ما أخبرنا به القرآن الكريم وما ورد عن النبي وأهل البيت عليه وعليهم أفضل السلام. لكنّ الآية تمنح القلب طمأنينة؛ لأنّ الشهيد يستبشر بمن لم يلحقوا به، ويفرح بما يصله من بشارة عنهم.

وفي رواية عن الإمام الصادق عليه السلام: «إنّ المؤمن ليزور أهله، فيرى ما يحبّ، ويُستر عنه ما يكره»، ثم قال: «ومنهم من يزور كل جمعة، ومنهم من يزور على قدر عمله"[10] والرواية تؤكد أصل الصلة، مع بقاء كيفيتها خاضعةً لقوانين البرزخ، فلا يصح أن نتصورها حضورًا جسديًّا أو اتصالًا ماديًّا. يشرح الشيخ جوادي آملي أنّ الشهيد حين يتمنى أن يعرف قومه ما ناله من المغفرة والكرامة، كما جاء في قوله تعالى: ﴿يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ، بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ﴾، فإنّ الله سبحانه وتعالى يوصل هذا المعنى إلى من بقي بعده. فالشهيد لا يعيش قلقًا على قومه بسبب عجزه عن إخبارهم، إذ يتولى الله إظهار مقامه وبيان ما أعدّه له.

ومن هنا نستطيع أن نفهم أنّ حضور الشهيد له أكثر من مستوى.

  1. المستوى الأول هو حياته الحقيقية عند الله. وهذه حياة برزخية لا تتوقف على تذكّرنا له. فقد ينسى الناس اسم شهيد، وقد يبقى اسم شهيد آخر حاضرًا في المجتمع، لكنّ حياته عند  ربّه لا ترتبط بمقدار شهرة اسمه بين الناس. إنّه حي عند الله لأنّ الله أخبرنا بذلك.
  2. المستوى الثاني هو أثره الباقي في الدنيا. فالشهيد يترك أعمالًا ومواقف وذكريات. وقد يترك أبناء تربّوا على يديه، أو أصدقاء تغيرت حياتهم بعد شهادته، أو عملًا خيّرًا يستمر بعد رحيله. هذا الأثر جزء من حضوره في عالمنا، لأنّ الإنسان يستطيع أن يواصل التأثير بعد غياب جسده من خلال ما زرعه في القلوب وفي حياة الناس.

قد يستشهد إنسان، فتعود عائلته إلى الصلاة. وقد يستشهد شاب، فيبدأ أصدقاؤه بمراجعة حياتهم. وقد يدفع موقف شهيد أحدًا إلى خدمة الناس، أو إلى إصلاح علاقة، أو إلى ترك معصية، أو إلى الثبات على طريق كان مترددًا فيه. في هذه الحالات يكون الشهيد قد ترك أثرًا تربويا يواصل الحركة في الدنيا.

إنّ فعل الشهادة نفسه قد يصبح سببًا لهداية إنسان واحد، وربما لهداية عدد كبير من الناس. وهداية إنسان واحد أمر عظيم؛ لأنّ القلب لا يتغير بسهولة، والإنسان لا يعيد النظر في حياته من غير سبب يهزّه من الداخل. وأحيانًا تأتي شهادة إنسان عزيز فتكشف لمن حوله قصر الحياة، وتجعلهم يسألون أنفسهم: ماذا أعددنا نحن للقاء الله؟

وهذا الأثر لا يحدث دائمًا من خلال الكلام. قد يكون الصمت الذي يتركه الشهيد أبلغ من خطب طويلة. وقد تكون صورته في البيت، أو وصيته، أو دفتر صغير كتب فيه بعض أفكاره، سببًا في تغيير حياة إنسان.

وقد يتذكر أحدهم موقفًا بسيطًا للشهيد، فيبقى هذا الموقف يعمل في قلبه سنوات.

  1. المستوى الثالث يرتبط بالألطاف التي قد يجريها الله سبحانه وتعالى على أيدي عباده المكرمين. نحن نعيش في عالم الأسباب والمسببات، وكل شيء يقع بإذن الله. توجد أسباب مادية نعرفها؛ فالإنسان يأكل فيشبع، وينام فيرتاح، ويتناول الدواء فيُشفى بإذن الله. وهناك أسباب معنوية أخبرنا الدين بآثارها، مثل الدعاء والصدقة وصلة الرحم.

والله سبحانه وتعالى قادر على أن يجري لطفه من خلال الملائكة، أو من خلال دعاء نبي أو إمام، أو من خلال عبد صالح له مقام عنده. وهذه الأسباب كلّها تعمل بإذنه، ولا يملك أحد منها استقلالًا عن الله. فالفاعل الحقيقي هو الله، وهو الذي يختار الوسيلة التي يجري من خلالها لطفه.

ومن هذا الباب يمكن للإنسان أن يرجو شفاعة الشهيد ودعاءه، وأن يتوسّل إلى الله بمقامه. ويمكنه أن يشعر أنّ الله أرسل إليه طمأنينة مرتبطة بهذا الشهيد، أو أنّ رؤيا صادقة جاءت لتخفف عنه ألم الفراق. وهذا كلّه يبقى ضمن مشيئة الله ورحمته.

وقد ورد عن رسول الله صلى الله عليه وآله: "ثلاثة يشفعون إلى الله عزّ وجلّ فيُشفَّعون: الأنبياء، ثم العلماء، ثم الشهداء"[11]، فالشفاعة في التصور الإيماني تكريم يمنحه الله لعباده المقرّبين، وهي لا تقع استقلالًا عنه ولا خارج إذنه.

فأحيانًا تروي عائلة أنّ طفلًا نجا من الغرق بطريقة عجيبة، أو أنّ حريقًا انطفأ في لحظة لم يتوقعها أحد، أو أنّ شخصًا شعر بمعونة خاصة في وقت الخطر. وقد تربط العائلة هذا اللطف بشهيد تحبه وتتوسل إلى الله بمقامه. نحن نحترم هذه التجارب، ونرى فيها أبوابًا للرجاء والطمأنينة.

وفي الوقت نفسه، نحتاج إلى شيء من الدقة. فالتجارب الشخصية تبقى تجارب خاصة بأصحابها، ولا نستطيع أن نحوّل كل حادثة غريبة إلى حقيقة عقائدية عامة. قد تكون الرؤيا صادقة، وقد تكون ناتجة من شدّة الشوق، وقد يقع اللطف بطريقة لا نعرفها...

ولذلك نحن نترك علم ذلك لله، ونأخذ من التجربة أثرها الطيب ما دامت تقرّب الإنسان من الله وتزيده طمأنينة واستقامة. وهذا التوازن تؤيده الرواية المروية عن رسول الله صلى الله عليه وآله: "الرؤيا ثلاثة: بشرى من الله، وتحزين من الشيطان، والذي يحدّث به الإنسان نفسه فيراه في منامه"[12] لذلك يمكن استقبال الرؤيا الصالحة بالرجاء، من غير أن تتحول إلى دليل عقائدي عام أو إلى ميزان نحكم به على إيمان الناس.

كثير من المجاهدين تحدّثوا عن رؤى ومكاشفات عاشوها في الجبهات، وبعضهم قال إنّه رأى شهداء يعرفهم رأي العين. وهذه الأمور ممكنة في أصلها، لأنّ روح الإنسان قد تمتلك في بعض الحالات قدرًا من اللطافة والانكشاف. غير أنّها لا تصبح ميزانًا لإيمان الناس، ولا نطلب من كل إنسان أن يراها أو يعيشها.

وقد يكون إنسان قريبًا جدًّا من الشهيد ولا يراه في المنام أبدًا. هذا لا يعني أنّ الشهيد بعيد عنه، ولا يعني أنّ محبته ناقصة. إنّ الرؤيا هبة وليست حقًّا يطالب به الإنسان. وقد يمنح الله شخصًا طمأنينته من خلال رؤيا، ويمنح شخصًا آخر طمأنينته من خلال آية، أو كلمة، أو سكينة يضعها في قلبه.

لهذا علينا أن نفهم حضور الشهيد بطريقة واسعة ومتوازنة. الشهيد حي عند ربّه، وله مقامه ورزقه وفرحه. أثره باقٍ في حياة الناس من خلال ما قدّمه وتركه. وقد يجعل الله مقامه وسيلة للطف أو شفاعة أو طمأنينة، وكل ذلك يجري بإذن الله.

وعندما نقول إنّ الشهيد حاضر في حياتنا، لا نقصد أنّه عاد إلى شروط الدنيا ويعيش كما كنّا نعيش معه. لقد انتقل إلى عالم آخر، وصار وجوده مناسبًا لذلك العالم. ومع هذا الانتقال، لم تتحول المحبة إلى فراغ، ولم يصبح أثره معدومًا، ولم تنقطع كل صلة بينه وبين من يحبهم.

المشكلة عندنا أنّنا نريد أن يكون الحضور دائمًا حضورًا ماديًّا. نريد أن نراه بعيننا، وأن نسمع صوته، وأن نجلس معه كما كنّا نفعل. فإذا لم يحدث ذلك، شعرنا أنّه غائب. لكنّ كثيرًا من الحقائق الموجودة حولنا لا نراها بأعيننا. نحن لا نرى الملائكة، ولا نرى أثر الدعاء وهو يصعد، ولا نرى الرحمة وهي تنزل، ومع ذلك نؤمن بوجود هذه الحقائق من خلال الوحي وآثارها في حياتنا. إنّ حضور الشهيد يُفهم من هذا الباب. قد لا نراه، لكننا نرى ما تركه فينا. نرى أنّ إنسانًا تغيّر بسببه، وأنّ عائلة ازدادت قربًا من الله بعد شهادته، وأنّ عملًا خيّرًا بدأ باسمه، وأنّ طفلًا كبر وهو يتعلم من سيرته. هذه كلّها صور حقيقية لحضوره.

لذلك، عندما نشعر بالشوق إلى الشهيد، يمكننا أن نحوّل هذا الشوق إلى صلة. نقرأ له القرآن، وندعو له، ونتصدق، ونزور أهله، ونكمل عملًا كان يحبه. وفي كل مرة نفعل خيرًا ألهمتنا إياه سيرته، يصبح أثره حاضرًا في حياتنا بطريقة جديدة.

وقد قال الإمام الصادق عليه السلام: «يدخل على الميت في قبره الصلاة والصوم والحج والصدقة والبر والدعاء، ويُكتب أجره للذي يفعله وللميت"[13]. فالمحبة بعد الرحيل تستطيع أن تتخذ صورة عمل صالح يصل نفعه إلى الميت، ويعود بالخير على من قدّمه أيضًا.

إذن، الشهيد انتقل إلى الله، ونحن ما زلنا في ميدان العمل. هو وجد ثمرة ما قدّمه، ونحن ما زالت أمامنا فرصة لنزرع. وأجمل وفاء للشهيد أن يجعلنا حضوره أكثر معرفة بالله، وأكثر صدقًا في أعمالنا، وأشد حرصًا على أن نصل إليه ونحن نحمل شيئًا من الطريق الذي سار فيه.

 

 لوعة الفراق والفرح بمقام الشهيد

عندما نتحدث عن حياة الشهيد وفرحه عند الله، قد يشعر بعض الناس أنّ المطلوب منهم أن يتوقفوا عن الحزن، أو أن يخفوا دموعهم، أو أن يتعاملوا مع الفقد كأنّه أمر سهل. وهذا فهم يحمّل القلب ما لا يطيق؛ لأنّ الحزن على الشهيد نابع من المحبة، والمحبة لا تغادر القلب بمجرد معرفتنا بمقامه.

نحن نحزن لأنّنا نفتقد حضوره المادي بيننا. نفتقد صوته وخطواته وتفاصيله الصغيرة. نفتقد جلوسه معنا، ونسأل كيف مضى كل شيء بهذه السرعة. وقد يكون أصعب ما في الفقد أنّ الحياة من حولنا تواصل سيرها، بينما يبقى جزء من القلب واقفًا عند اللحظة التي وصل فيها خبر الشهادة.

إنّ هذا الحزن طبيعي، وقد بكى الأنبياء (ع) والأولياء أحبتهم. والبكاء لا يناقض الرضا بقضاء الله، ولا يدل على ضعف الإيمان. قد يكون القلب راضيًا بالله وهو يتألم، وقد تكون العين دامعة والروح مطمئنة إلى أنّ الشهيد صار في رعاية أرحم الراحمين.

وقد بكى رسول الله صلى الله عليه وآله عند وفاة ابنه إبراهيم، وقال: "تدمع العين، ويحزن القلب، ولا نقول ما يسخط الرب، وإنّا بك يا إبراهيم لمحزونون"[14] فالرواية تجمع بين صدق الحزن وأدب العبودية، وتبيّن أنّ الدمع لا ينافي الرضا ما دام اللسان والقلب محفوظين من الاعتراض على الله.

إنّ المشكلة تبدأ عندما يتحول الحزن إلى يأس، وعندما يجعل الإنسان يرى الشهادة من جهة الخسارة وحدها. هنا يأتي الإيمان ليفتح داخل الحزن نافذة أخرى. نحن فقدنا الشهيد من عالمنا، وهو وصل إلى مقام كان يطلبه. نحن ننظر إلى الغياب، وهو يعيش القرب. نحن نشعر بلوعة الفراق، وهو من الـ﴿فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾.

الحقيقة الأولى أنّ الفقد موجع، والحقيقة الأخرى أنّ الشهيد في مقام كريم. ويمكن للقلب أن يحمل الحقيقتين معًا. يبكي الإنسان لأنّه مشتاق، ويحمد الله لأنّ عزيزه وصل إلى هذا المقام. يشعر بالفراغ في بيته، ويشعر بالطمأنينة عندما يتذكر أنّ الشهيد عند ربّه يُرزق.

ومن هنا نحتاج إلى أن نفهم الحب بطريقة أوسع. فنحن عندما نحب إنسانًا، نريد له الخير. وإذا كنّا نؤمن أنّ مقام الشهادة من أعلى المقامات، وأنّه مقام يتمناه المؤمن لنفسه، فكيف لا نفرح لإنسان عزيز وصل إليه؟

وقد ورد عن رسول الله صلى الله عليه وآله: «فوق كل ذي برّ برّ، حتى يُقتل في سبيل الله، فإذا قُتل في سبيل الله فليس فوقه برّ[15]". وهذا الارتفاع في المنزلة هو الذي يسمح للحزن على الفراق أن يجتمع مع الفرح بما اختاره الله للشهيد من كرامة.

أنا أقول هذا من تجربة شخصية. فمنذ أكثر من ثلاثين سنة، وعلى امتداد هذه العقود، فقدنا شبابًا وإخوة وأصدقاء أعزاء. كان من بينهم طلاب في الحوزة، وطلاب في الجامعة، وأشخاص ربّيناهم أو ساروا معنا، وأشخاص كانوا قريبين منّا كقرب الإخوة. عندما يستشهد هؤلاء، يكون فقدانهم محزنًا جدًّا، وتبقى لكل واحد منهم مساحة في القلب لا يشغلها أحد.

نحن نحتاج أحيانًا إلى أن نخرج قليلًا من حدود أنفسنا. فالإنسان عندما يحزن، قد يرى الفقد من جهة ما خسره هو: من سيجلس معي؟ من سيشاركني أيامي؟ من سأحدّثه؟ من سيملأ هذا المكان؟ وهذه الأسئلة طبيعية، لكنها تجعلنا ننظر إلى الشهيد من خلال حاجتنا نحن إليه.

إنّ الحب يدعونا أيضًا إلى أن نسأل: أين صار هو؟ ماذا أعطاه الله؟ ما المقام الذي وصل إليه؟ كيف يرى الآن حياته التي عاشها وتضحيته التي قدّمها؟ عندما ننظر من جهته، يدخل إلى القلب شيء من السرور. فقد اختاره الله لمقام كريم، وفتح له بابًا كان يطلبه، ونقله من ضيق الدنيا إلى سعة رحمته.

هذا هو المعنى الذي يساعد الإنسان على الابتعاد عن أناه الخاصة. نحن لا نتخلى عن مشاعرنا، ولا ننكر حاجتنا إلى من نحب. نحن نوسّع المحبة حتى تشمل مصلحة الشهيد وخيره، ونطمئن إلى أنّ ما كتبه الله له يحمل رحمة وحكمة، وأنّ وصوله إلى مقام الشهادة خير عظيم له.

وهذا الفهم يحتاج الى تربية لا يحدث في يوم واحد. قد يعرفه العقل، ثم يحتاج القلب إلى وقت طويل حتى يذوقه. قد يردّد الإنسان أنّ الشهيد حي عند ربّه، ثم يعود في الليل ويبكيه. وهذا طبيعي. المعرفة تدخل إلى القلب بالتدريج، وكل مرة يتأمل فيها الإنسان مقام الشهيد، تنزل على قلبه درجة جديدة من الطمأنينة.

ينبغي ألّا نضغط على أهل الشهيد بكلمات سريعة. كأن لا نقول للأم: توقفي عن البكاء لأنّ ابنك شهيد. ولا نقول للزوجة: يجب أن تكوني قوية في كل لحظة. ولا نطلب من الأب أن يخفي انكساره. لكل قلب طريقته في احتمال الفقد، ولكل إنسان زمنه في استيعاب ما جرى.

المطلوب: أن نرافقهم، وأن نسمح لهم بالكلام والصمت والبكاء، وأن نذكّرهم بمقام الشهيد بطريقة رحيمة. فالكلمة العقائدية إذا قيلت من غير إحساس قد تصبح ثقيلة، بينما الكلمة نفسها، حين تحمل المحبة، قد تفتح في القلب بابًا واسعًا للسكينة.

 

[1] الآية 44، سورة الإسراء.

[2] الشيخ الصدوق، *معاني الأخبار*، ص288، ضمن الحديث 3.

[3] الشيخ الكليني، *الكافي*، ج3، ص244، باب أرواح المؤمنين، ح3.

[4] الآية 169، سورة آل عمران.

[5] الشريف الرضي، نهج البلاغة، الخطبة 42.

[6] عبد الله جوادي آملي، الحماسة والعرفان، الطبعة الأولى، قم: مركز الإسراء للبحوث، 1416هـ، ص39.

[7] الشيخ الصدوق، معاني الأخبار، ص160، ح1؛ وانظر: الحر العاملي، وسائل الشيعة، ج15، ص163.

[8] الشيخ الكليني، الكافي، ج2، ص82، ح2.

[9] الآية 170، آل عمران.

[10] الشيخ الكليني، الكافي، ج3، ص230، باب أن الميت يزور أهله، ح1.

[11] الشيخ الصدوق، الخصال، ج1، ص156؛ الحميري، قرب الإسناد، ص64.

[12] الشيخ الكليني، الكافي، ج8، ص90، ح60.

[13] الشيخ الصدوق، من لا يحضره الفقيه، ج1، ص117، ح556.

[14] الشيخ الكليني، الكافي، ج3، ص262، ح45.

[15] الشيخ الكليني، الكافي، ج5، ص53، باب فضل الشهادة، ح2.

آخر تحديث : 2026-09-10
مشاركه في:

تعليقات

اترك تعليقك هنا

  • shape
  • shape
  • shape
  • shape