التربية المعيارية ومواجهة النفعية: تأصيل الميزان الإلهي في التنشئة الأخلاقية
تشهد البنية التربوية والأخلاقية المعاصرة تحولاً خطيراً يتمثل في انزياح المعايير الحاكمة للسلوك والفكر من الأطر المبدئية الثابتة إلى الفضاءات السيالة المعتمدة على الاستنساب والمنفعة الفردية العاجلة. وإذا كانت النظريات الوضعية قد اختزلت تقييم الفعل الإنساني في حدود آثاره المادية أو مدى تلبيته للرغبات الذاتية والتوافقات الاجتماعية المتغيرة، فإن المنظومة التربوية باتت أمام استحقاق معرفي يفرض إعادة الاعتبار لـلمعيارية المبدئية وتأصيل أصولها.
انطلاقاً من الرؤية الإسلامية الأصيلة، لا ينفصل تقييم الصواب والخطأ عن مبدأ الخالقية؛ إذ إن الخالق الإلهي للكون والإنسان هو العليم الدقيق بخصائص النفوس ومصالحها الواقعية، مما يجعل التشريع والتعيين الإلهي المصدر الأساس والأوحد لصياغة الموازين الأخلاقية والسلوكية. وفي إطار الفكر التربوي، لا يلغي هذا التعيين الدور المحوري للعقل والفطرة، بل يعمل على تكامل التشريع مع الحجة الباطنة للوصول إلى انضباط إدراكي وسلوكي يحمي الناشئة من ضغوط "النسبية الأخلاقية" وسيادة منطق المصلحة الضيقة.
يهدف هذا المقال إلى تشخيص مظاهر الخلل في التربية النفعية الاستنسابية، وتظهير معالم المنظومة المعيارية الإلهية في التربية الإسلامية، مع تقديم موجهات عملية تمكّن المؤسسات التربوية والأسر من غرس الميزان الإلهي كحاكم أصيل على الفكر والسلوك في مواجهة تحديات التحول المعرفي والأخلاقي المعاصر.
تكتسب المسألة الأخلاقية في العصر الراهن أهميتها ليس من مجرد وقوع الأفراد في الخطأ السلوكي، بل من غياب مرجعية القياس الناظمة التي يُرد إليها الخطأ والصواب؛ إذ يعيش الإنساني المعاصر تحولاً هيكلياً في مفهوم "المعيار" ذاته، حيث جرى استبدال المبادئ الميتافيزيقية والموضوعية الثابتة بأطر نفعية ذريعية وسيالة تتغير بتغير الظروف والغايات الذاتية.
إن النزعة النفعية التي هيمنت على الفلسفات التربوية والسلوكية الغربية، وتسلّلت عبر مناهج التنشئة وأنماط الحياة المعاصرة، كرست اعتبار كل سلوك تحقق من ورائه غاية مادية أو منفعة ذاتية عاجلة هو سلوك "مبرَر" أو حتى "مطلوب". ووفق هذا المنظور، لم يعد التقييم الأخلاقي للفعل ينطلق من ماهيته الذاتية (هل الفعل ذاته حق أو باطل؟ صواب أم خطأ؟)، بل من مدى نجاحه الإجرائي في تلبية رغبة الفرد أو تجنيبه الخسارة المباشرة.
هذا الانزياح أدّى إلى تسويغ أنماط من السلوكيات والخيارات الفكرية التي قامت تاريخياً على أصول مرفوضة، شريطة أن تخدم غاية برغماتية، مما يحوّل الأخلاق من حاكم إنساني رصين إلى أداة وظيفية متقلبة تُفصَّل على مقاس المصالح الشديدة التغير.
حين ينفصل السلوك الإنساني عن قاعدة معيارية صلبة، يقع المتربي — بغض النظر عن مستواه المعرفي أو عمره — في شباك "الاستنسابية". والمقصود بالاستنسابية هنا أن يصبح الفرد هو الحاكم الفردي والمطلق على صحة أفعاله وأفكاره بناءً على هواه أو تقديره الشخصي المجرد، دون الاستناد إلى قانون موضوعي جامع.
وتتولّد عن هذا الوضع نتائج تربوية وسلوكية خطيرة، أبرزها:
إن خطورة هذا التحدي لا تقتصر على شريحة الأطفال أو الناشئة في طور التكوين الأول، بل تمتد لتشمل جميع المتربين في مراحل وعيهم المختلفة، بما في ذلك الشباب والبالغين. فالبيئة الثقافية والإعلامية الحديثة تضخ بانتظام مضامين تكرّس حق الفرد المطلق في صياغة حقائقه الخاصة ومعاييره المستقلة خارج أي إطار تكليفي أو إلهي.
إن غياب الميزان المعياري الثابت يترك المتربي أسيراً لرغباته الطارئة أو مستسلماً للضغط الاجتماعي السائد والأعراف الاستهلاكية؛ فحين لا يمتلك الإنسان معياراً يزن به الأفكار والسلوكيات، يتحول عقلُه إلى متلقٍ منفعل يقبل ما هو شائك أو مفيد مادياً، ويعادي ما يتطلب تضحية أو التزاماً مبدئياً، وهو ما يجعل إعادة التأصيل المعياري شرطاً وجودياً لحماية العقل والسلوك من الضياع في موجات السيولة الأخلاقية المعاصرة.
يقوم التأصيل التربوي للمعيارية الأخلاقية في الإسلام على مرجعية الانطلاق من الرؤية الكونية الوجودية (المبدأ والمعاد)؛ إذ لا يمكن وضع ميزان دقيق للصواب والخطأ بمعزل عن إدراك حقيقة الإنسان، وغاية وجوده، ونمط علاقته بالخالق والكون.
تقتضي المبررات العقلية أن الجهة الأقدر على تحديد ما يصلح الإنسان وما يفسده هي الجهة الصانعة له. فالإنسان كائن مركب من قوى إدراكية، وشهوية، وغضبية، وتتداخل في سلوكه دوافع متعددة تجعل قدرته على التشريع الذاتي قاصرة وواقعة تحت تأثير الانحيازات النفسية والظروف الموضوعية المحدودة. من هنا، فإن التشريع الإلهي والأحكام المعيارية الصادرة عن الخالق سبحانه لا تمثل سلطة قسرية خارجية، بل هي صياغة متكاملة تتطابق تماماً مع تكوين الإنسان الفطري ومصالحه الواقعية الحقيقية. فالله تعالى هو الخبير الدقيق بحدود القدرة البشرية، والعالِم بالنتائج المترتبة على كل فعل في الدنيا وآثره في الآخرة.
تؤكد التربية في الفكر الإسلامي على أهمية العقل ودوره المحوري؛ فالإنسان يمتلك قدرات عقلية وفكرية كبيرة. ومع ذلك، فإن هذا العقل — على فضله ومكانته — يعجز عن وضع القواعد والتفاصيل الدقيقة للأخلاق والسلوك بمفرده دون مساعدة. وترجع أسباب هذا العجز إلى نقاط أساسية:
تتسم الرؤية الإسلامية بتقديم نظرة متوازنة تجمع بين دور العقل وأحكام الشرع، وذلك من خلال القول بـ "الحسن والقبح العقليين". فالعقل هنا لا يُلغى ولا يُستبعد من تقييم الأفعال، بل هو بمثابة مرشد داخلي يقدر بمفرده على معرفة القواعد الأخلاقية العامة؛ فيميز بين ما هو جيد حسَن (كالعدل والصدق) وما هو سيئ قبيح (كالظلم والكذب). ومع ذلك، فإن دور العقل يقتصر على الاستكشاف والفهم لهذه القواعد، وليس اختراعها أو فرضها. وبهذا التناغم، يتخلص المتربي من التردد بين الحفظ والجمود على النصوص دون فهم، وبين الاعتماد الكامل على النفس الانسانية للدرجة التي تؤدي للضياع؛ فيصبح التزام الإنسان بالأوامر الإلهية هو قمة العقلانية، لأن عقله هو من يرشده إلى أن الخالق هو الأعلم بما ينفعه وما يضره.
تتكامل الأركان المعرفية في الفكر التربوي والكلامي الإسلامي لتشكل منظومة معيارية ثلاثية الأبعاد، تضمن ثبات المقياس الأخلاقي وصيانته من السيولة والانحراف، من خلال التنسيق الدقيق بين الفطرة والعقل والتشريع المتمثل في الوحي وسنة النبي عليه صلوات الله وأهل بيته عليهم السلام.
تُمثل الفطرة الركن الأول في البناء المعياري للإنسان، وهي المخطط التكويني والوجداني الذي أودعه الباري في النفس البشرية لتنجذب تلقائياً نحو الخير والحق، وتنفر من الشر والباطل. في الفكر التربوي لأهل البيت (عليهم السلام)، لا يبدأ المتربي مسيرته الأخلاقية من صفحة بيضاء خالية من المبادئ، بل يحمل في أصل خلقتها بوصلة معرفية قال عنها التنزيل الحكيم: ﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾ [الشمس: 8]. وقد ورد عن الإمام جعفر الصادق (ع) في تفسير الفطرة قوله: «فَطَرَهُمْ عَلَى التَّوْحِيدِ»، وفي نصٍّ آخر يتصل بالمعرفة الأخلاقية والسلوكية يوضح أن الله تعالى جبل النفوس على التمييز بين الحق والباطل قبل التكليف التفصيلي. وتكمن وظيفة التربية هنا في حماية هذه الفطرة من الاحتجاب بركام الهوى والبيئات النفعية، لتأتي الشريعة مذكرة ومستخرجة لهذه الوديعة؛ كما يعبّر أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع) عن الغاية من بعثة الأنبياء بأنها: «وَيُثِيرُوا لَهُمْ دَفَائِنَ الْعُقُولِ»، أي إحياء الموازين التكوينية المودعة في عمق الفطرة البشري.
يشكل العقل الركن الثاني، ويُعد في المنظومة الكلامية والتربوية ميزاناً موضوعياً داخلياً، وصفه التراث الروائي بـ "الحجة الباطنة". يتجاوز دور العقل مجرد الحسابات البراغماتية إلى الكشف عن القيمة الذاتية للأفعال عبر مدركات الحسن والقبح العقليين.
تتجلى حاكمية العقل المعيارية في وصية الإمام موسى الكاظم (ع) لهشام بن الحكم، والتي يوضح فيها الفرق الأساسي بين المبدأ الإلهي الثابت وبين الأحكام الاجتماعية المتغيرة القائمة على المصلحة، حيث يقول: «إِنَّ لِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حُجَّتَيْنِ: حُجَّةً ظَاهِرَةً، وَحُجَّةً بَاطِنَةً؛ فَأَمَّا الظَّاهِرَةُ فَالرُّسُلُ وَالأَنْبِيَاءُ وَالأَئِمَّةُ، وَأَمَّا الْبَاطِنَةُ فَالْعُقُولُ». ويضيف الإمام الكاظم (ع) محذراً من تحكيم المنفعة أو ضغط القرناء على حساب معيار العقل والحق: «لَوْ كَانَ فِي يَدِكَ جَوْزَةٌ وَقَالَ النَّاسُ: لُؤْلُؤَةٌ، مَا نَفَعَكَ وَأَنْتَ تَعْلَمُ أَنَّهَا جَوْزَةٌ، وَلَوْ كَانَ فِي يَدِكَ لُؤْلُؤَةٌ وَقَالَ النَّاسُ: جَوْزَةٌ، مَا ضَرَّكَ وَأَنْتَ تَعْلَمُ أَنَّهَا لُؤْلُؤَةٌ». وبهذا، يكرس صرامة المعيار الداخلي، حيث ينبغي للمتربي أن يزن الأشياء بوقائعها ومبادئها العقلية والدينية، لا باستحسان المجتمع أو النفع العارض.
لأن الإدراك العقلي كلّي، ولأن الفطرة قد تعتريها الغباشة تحت ضغوط النفس والبيئة، يأتي دور التشريع الإلهي المعصوم — المتمثل في القرآن الكريم وسنة النبي (ص) وأئمة أهل البيت (عليهم السلام) — ليشكل الركن الثالث والحاكم، بوصفه "الحجة الظاهرة".
تتجلى محورية هذا الركن في المبادئ الآتية:
إن قوة المنظومة المعيارية في مدرسة النبي (ص) وأهل البيت عليهم السلام تعود إلى عدم الفصل بين هذه الأركان. فالفطرة تنزع نحو الخير، والعقل يكشف عن صوابيته ويكفّ النفس عن الهوى، والتشريع يحدّد حدوده ويضمن استقامته. وهذا التكامل يمنح المتربي حصانة مضاعفة؛ فلا يقع في فخ "النسبية الأخلاقية" التي تحوّل الصواب إلى مجرد رغبة ذاتية، ولا في "الذرائعية" التي تبرّر الوسيلة بالغاية، بل يتحرك ضمن ميزان إلهيّ ثابت يرى فيه الصواب صواباً لذاته ولأنه يمثل الحكم الإلهي الحكيم.
لا يُحقق التأصيل المعرفي غايته التربوية ما لم يتحوّل من أطر نظرية وقناعات ذهنية مجردة إلى أدوات إجرائية وممارسات سلوكية واعية؛ إذ تقتضي التنشئة المعيارية بناء منهجية عملية تُكسِب المتربي القدرة على استحضار الميزان الإلهي والعمل بمقتضاه في المواقف اليومية والخيارات الضاغطة.
تبدأ أولى خطوات التطبيق بالتفكيك الإدراكي للخطاب التربوي، بحيث يُعاد تعريف مفاهيم الربح، الخسارة، النجاح، والنعمة وفق الميزان المعياري المتعالي لا وفق الانطباع المادي المباشر.
يتطلب بناء الشخصية المعيارية نقل المتربي من حالة "التلقّي السلبي" للمبادئ إلى حالة "التطبيق الفعّال" عبر وضع سيناريوهات وتحليلات واقعية تعاكس فيها المصلحة الذاتية العاجلة المبدأ الأخلاقي الثابت.
تعتمد المدرسة التربوية الإسلامية على حقيقة أن المعايير تُنقل عبر "المعاينة والتجسيد" بأثر أعمق من نقلها عبر المواعظ النظرية.
تتطلب الاستقامة المعيارية تحويل الرقابة من قوة ضاغطة خارجية (الخوف من العقاب الاجتماعي أو القانوني) إلى ضابط داخلي مستمر مستمد من الرؤية الكونية الإسلامية.
تظهر القيمة الفعّالة للمنظومة المعيارية ليس في ظروف الرخاء والاستقرار المعرفي، بل عند لحظات الاصطدام الحاد بين المبدأ الأخلاقي والمصلحة الفردية العاجلة. فالبيئة المعاصرة تضع المتربي بانتظام أمام مواقف ضاغطة تفرض عليه المفاضلة بين المكسب المادي المباشر أو الوجاهة الاجتماعية، وبين الاستقامة على معيار الحق؛ وهنا تجيء "الحاكمية المعيارية" لتشكل إطاراً حاسماً لإدارة هذه التناقضات وحماية الشخصية من التفكك والانفصام.
تتأسس الحاكمية المعيارية على إعادة تعريف أصل مفهوم "المصلحة" في الذهنية التربوية. ففي الوقت الذي اختزلت فيه المنظومات النفعية المصلحةَ في العوائد المادية السريعة أو الخلاص الشخصي المؤقت، تقرأ الرؤية الإسلامية المصلحة ضمن أفق وجودي ممتد يتكامل فيه البُعد الروحي والأخروي مع البُعد المادي والدنيوي. إن التناقض الظاهري بين المبدأ والمصلحة ينحلّ عندما يدرك المتربي أن أي كسب مادي يتحقق عبر الخروج عن المعيار الإلهي (كالغش، أو التزوير، أو المحاباة النفعية) هو في جوهره خسارة حقيقية لبنيته الإنسانية وكماله الروحي. وبذلك يتبدل المفهوم الذريعي للربح والخسارة؛ فيصبح الالتزام بالمبدأ عند المواقف الضاغطة هو المصلحة العليا والواقعية للذات، حتى لو اقترن بتضحية ظاهريّة عاجلة.
يتعرض المتربون في مختلف مستوياتهم لضغوط متعددة الأوجه تحاول إزاحة المعيار الإلهي لصالح خيارات نفعية استنسابية. وتتنوع هذه المواقف في مجالات الحياة اليومية:
لتأمين نفاذ الحاكمية المعيارية في السلوك اليومي للمتربين، تعتمد التربية الإسلامية مجموعة من الضوابط الإجرائية التي تحول دون الوقوف في منطقة الشك أو الاستسلام للضغوط:
إن صيانة المتربّي من التناقض السلوكي تُترجم عملياً عبر صناعة شخصية متماسكة مبدئياً؛ تملك القدرة على الثبات في وجه المتغيرات والضغوط، وتتخذ من الحكم الإلهي والضوابط الأخلاقية مرجعاً وحيداً نهائياً يحدد الاتجاه والمسار في كافة تقلبات الحياة.
نخلص إلى أن إشكالية التنشئة الأخلاقية والسلوكية في الفكر التربوي المعاصر لا تكمن في مجرد وقوع المتربين في مخالفات إجرائية، بل في تفكك المرجعية المعيارية الحاكمة وميول الاتجاهات النفعية إلى إحلال الذرائعية والاستنساب الفردي محل المبادئ الموضوعية الثابتة. وقد أثبت التحليل المعرفي أن الاقتصار على تقييم الأفعال بميزان الربح والخسارة العاجلة يورث الهشاشة الأخلاقية والانفصام السلوكي لدى المتربين، ويجعلهم عرضة للسيولة المعيارية أمام ضغوط البيئة والأقران.
وفي مقابل هذا الانزياح، يُقدّم النموذج التربوي المبني على الرؤية الإسلامية الأصيلة مقاربة متكاملة تربط بين الخالقية والعلم الإلهي المطلق من جهة، وبين حاكمية المعيار الإلهي من جهة أخرى. وتتجلى قوة المنظومة المعيارية في الفكر الإسلامي عبر التناسق البنيوي بين ثلاثة أركان: الفطرة كاستعداد تكويني، والعقل ككاشف وحجة باطنة مدركة للحسن والقبح، والتشريع الإلهي والسنة المباركة كحجة ظاهرة تحدّد الحدود التفصيلية وتوفر النموذج المعصوم. إن هذا التكامل يرفع التناقض الموهوم بين المصلحة والمبدأ، ويعيد صياغة المفهوم الواقعي للمنفعة بربطها بالكمال الروحي والمآل الوجودي للإنسان.
تعليقات