Cancel Preloader
دراسات ومقالات المركز

المناهج التربوية والبناء الإدراكي: من تسطيح المعرفة إلى تعميقها

المناهج التربوية والبناء الإدراكي:  من تسطيح المعرفة إلى تعميقها

      لا شك بأنَّ الظروف الحياتية للبشرية تتجه نحو مزيد من التعقيدات على أكثر من صعيد، خاصة بعد التحولات الكبرى التي طرأت على مستوى الرقمي، وبما أفضى إليه الذكاء الاصطناعي من نتائج على مستوى القدرات التوليدية، فائقة التقدم، أو قدرته على التحكم أو التطوير الذاتي؛ مما ولَّد الكثير من الهواجس والمخاوف على مستوى الحياتي، من هنا كان لا بد لمخططي المناهج أن يتأملوا في هذا المنحى والقفزة العلمية التي حدثت، أو التي يمكن أن تتطور بشكلٍ متسارع في الزمن القريب، لكن يبقى السؤال الذي يطرح نفسه في هذا المقام: أي معرفة أو أي مستوى معرفي نريد بناء وتصميم المناهج وفقًا له، خاصة في ظل هذه التحولات؟

 

1.المنهج التربوي: من نقل المعرفة إلى بناء الإنسان

في هذا السياق، يُطرح سؤال حول وظيفة المنهج، فهل تتمثل (وظيفته) بتزويد المتعلم بالمعلومات فقط؟ أم تتجاوز حدود نقل المعرفة لتصل إلى دائرة صناعة المعرفة؟ فلا شك أن المدقق في إجابته على هذا السؤال لا بد أن يعود إلى تحديد دور العلم والتعلم في الحياة البشرية، ولا شك أنهما (العلم والتعلم) لا بد أن يدخلا في نطاق وإطار صناعة الإنسان وصناعة الحياة، حيث أن الفضول المعرفي والفطري للإنسان؛ يدفعه لتحديد ما يحتاجه، ثم إلى السعي لتأمين ما يشبع هذه الحاجة،  أو إلى معرفة الكائنات من حوله، أو إلى المساهمة في فهم حقيقة اللذة والألم، والسعادة والشقاوة، ثم إلى الترقي في هذه الرغبة لكي يتعرف على حقيقة الوجود وعلله، وفلسفة حياته، والخالق والمدبر لهذا الوجود، وغير ذلك من معارف، فلا يكتفى بالاطلاع على هذه المعارف، وحفظ بعض المعلومات عن هذا الموضوع أو ذاك، بل إلى تمكنه من فهم ذاته وخالقه وهدفية الخلقة، والوجود، وبناء العلاقات مع الموجودات، التي تساهم في رسم إطار حياته، وتكامله وتساميه.

      والفارق الذي يمكن أن نلحظه بين المعرفة المحفوظة والمعرفة ذات الأثر في الحياة المعنوية والحياة المعاشة للإنسان هو بقدر ما يمكن أن تُوظَّف وترتقي بالإنسان بأبعاده الحياتية المختلفة، فالمناهج التربوية والتعليمية هنا بوصفها مسارًا أو طريقًا لبناء شخصية المتربي والمتعلم وقدراته العقلية والإدراكية والمعنوية، هي سبيلٌ لتفتيح المكنونات الراسخة والمستودعة في فطرته أو خلقته في الوقت ذاته، إذ "إن منهج التربية في تصورنا هو: نظام متكامل من الحقائق والمعايير والقيم الثابتة، والخبرات والمعارف والمهارات الإنسانية المتغيرة"[1]، فينبغي على واضعيها )المناهج) ومصمميها، ومهندسي عناصرها ومكوناتها، أن يلحظوا هذا العمق، وهذه الإحاطة.

 

2.تسطيح المعرفة بدلاً من تعميقها

     نقصد منهجيًا بتسطيح المعرفة هو أن المناهج التي يتم بناؤها، تركز على البعد العقلي والمعرفي البسيط، من الاطلاع على المعلومة، من قبل المتعلم والمتربي، أو فهمها، أو شرحها أو حفظها مع إمكانية معرفة مدلولاتها البسيطة، في حين أن بناء وتصميم مناهج تقوم بالتركيز على اكتشاف المعرفة والحقائق العلمية، والقدرة على الغوص في أسرار الحقائق والابتكار والابداع،  والنقد والتحليل، والكشف عن الجوانب المخفية في بعض جوانبها، هو الذي يعمّق المعرفة الإدراكية لدى المتربين والمتعلمين، في حين أن عملية تجزئة المعرفة وفصلها عن سياقاتها الظرفية وأسئلتها ومشكلاتها الواقعية المعاصرة[2] تؤدي إلى اختزال الكثير من القضايا العلمية المعقدة في إجابات جاهزة ومباشرة.

هذه الإشكالية في المناهج المصمَّمة، التي نلحظها خلال العملية التعليمية والتربوية المعتمدة تعود لعدة أسباب منها:

  • هيمنة التقويم القائم على الحفظ والاسترجاع.
  • كثافة المحتوى مقابل محدودية زمن التعليم.
  • ضعف توظيف الأسئلة والمشكلات في التعليم، أو ضعف تمكين المتعلم والمتربي من إمكانية توظيف المعرفة في المواقف الحياتية المعاشة.
  • اعتماد نماذج تعليمية تقليدية.
  • ضعف إعداد المربي المعلم نفسه-أحيانًا- في بناء التفكير العميق.

 

3. العمق الإدراكي: ماذا نريد أن نبني في المتربي والمتعلم؟

العمق الإدراكي باعتبار قدرة المتربي والمتعلم على:

  • الفهم بعمق للدلالات المعرفية للنصوص، لا مجرد الحفظ والاسترجاع والتذكر.
  • التحليل والتفسير والاستنتاج.
  • الربط بين المكونات المتعدة للمعارف، والتمكين من عملية الاستنتاج العقلي والمعرفي.
  • اكتشاف العلاقات والأنماط المتعددة.
  • النقد والتقيم والتقويم.
  • إنتاج المعارف، وحل المشكلات التي تحتاج إلى إمعان العقل، أو إلى إجراء عمليات عقلية عليا.
  • الانتقال من الجزئي إلى الكلي، ومن الظاهرة إلى تحليل عناصرها، وآثارها، وتحديد أسبابها.

 وهذا البناء الهندسي الذي يمكن أن تبنى وتصمم المناهج وفقًا له[3]؛ هو الذي ينتج العمق الإدراكي لدى المتربين والمتعلمين،  حيث تصبح المناهج قادرة على صناعة الإنسان الذي نريد، ونطمح إليه، الإنسان الذي يستطيع فهم ذاته، وحياته والغاية من وجوده، قادرًا على بناء العلاقة مع نفسه وخالقه، ومن حوله، يرتقي ويسمو ويتكامل بأبعاده المختلفة وفاعلاً في ساحاته الحياتية المتعددة، فينبغي وقتئذً:

  • الانتقال من كثافة المحتوى إلى جودة المحتوى.
  • من السؤال الذي يطلب معلومة، إلى السؤال الذي يستثير التفكير، ويوقظه.
  • من الحفظ إلى الفهم والتحليل والتركيب والتطبيق.
  • من المواد التعليمية المنعزلة، ذات المنحى الاستقلالي في المنهج، إلى التكامل بين المعارف والمجالات المعرفية.
  • التحوّل من الإجابة الواحدة؛ إلى البحث والاستدلال والبراهين.
  • إدخال المشكلات الواقعية والمشروعات التي ترتبط بالتحديات الحياتية المعاشة في المنهج، فضلاً عن البحث والاستقصاء.
  • إعادة النظر في أدوات التقويم بحيث تصبح قادرة على أن تقيس عمق الفهم، وملاحظة ما تقدم تغييرات في بناء المنهج، لا حجم المحفوظات، والقدرة على الاسترجاع، فـ"المناهج المبتكرة تمثل منظومة متكاملة تشمل الأهداف والمحتوى وطرائق التدريس وأساليب التقويم"[4].
     

   إن إعادة النظر في بناء وتصميم المناهج وهندستها من حيث العمق الإدراكي والمعرفي؛ سيدخل حكمًا في إعادة تصويب العملية التربوية والتعليمية بشكلٍ كلي، لما للمناهج من دور على مستوى العملية التربوية والتعليمية ومكوناتها المتعددة، وهذا ما يمكن أن يجعلها قادرة على مواجهة التحديات الراهنة، ومستعدة لمواكبة التطورات والتحولات التي يمكن أن تحدث في المستقبل.

 

 


[1] - علي أحمد مدكور، مناهج التربية: أسسها وتطبيقاتها، دار الفكر العربي، القاهرة، مصر، الطبعة الأولى، 2001، ص 13

[2] - راجع: إبراهيم، مجدى عزيز، المنهج التربوي وتحديات العصر، عالم الكتب، القاهرة، ط2002، ص28.

[3]  - راجع: كنعان، عباس، المناهج التربوية من التأسيس إلى عالمٍ متغيّر، دار الولاء، لبنان، ط1، 2025م، ص153 وما بعدها.

[4] محمد أحمد الأذن، «الانتقال نحو المناهج المبتكرة وأثر تنوع طرائق التدريس الحديثة في تحسين التعلم»، مجلة ابن خلدون للدراسات والأبحاث، المجلد 6، العدد 3، 2026، DOI

 

آخر تحديث : 2026-10-14
الكلمات المفتاحية للمقال:
مشاركه في:

تعليقات

اترك تعليقك هنا

  • shape
  • shape
  • shape
  • shape