المنظومة التربوية للإمام الخامنئي الشهيد بين الفرد والمجتمع
بسم الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على رسولنا الأمين محمد المصطفى وعلى آله بيته الطيبين الطاهرين.
أهل الاختصاص والعلم والمعرفة، ممثلو الجهات والهيئات الثقافية والتربوية، السادة القائمون على الجامعة الكريمة جامعة المعارف، الأساتذة الأفاضل الحضور الكريم، السلام عليكم جميعا ورحمة الله وبركاته. وأهلاً وسهلاً بكم في الندوة العلمية التحضيرية لمؤتمر مدرسة الإمام المجاهد الشهيد الدولي الأول، وعنوانها: المنظومة التربوية للإمام الخامنئي (الشهيد بين الفرد والمجتمع).
يقول الله تعالى في محكم كتابه العزيز:{إِذ قَالَ رَبُكَ للمَلائِكَةِ إنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرضِ خَليِفَة، قَالوا أَتَجعَلُ فَيهَا مَن يُفسَدُ فِيهَا وَيَسفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحنُ نُسَبِّحُ بِحَمدِكَ وَنُقَدِّسُ لَك، قَالَ إِنِّي أَعلَمُ مَا لاَ تَعلَمُون}، وفي موضع آخر: {وَلَقَد كَرَمّنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلنَاهُم فِي البَرِّ وَالبَحرِ وَرَزَقنَاهُم مِنَ الطيّبَاتِ وَفَضَّلنَاهُم على كَثِيرٍ مِمِّن خَلَقنَا تَفضِيلاً}.
ما بين المقام والمشروع يتلخص المشروع الإلهي للإنسان في هذه الحياة الدنيا، فهو من ناحية أولى في موقع الخلافة الإلهية وعليه مسؤولية وعمارة الأرض، ومن ناحية ثانية هو المكرّم إن أدرك مقامه ومسؤوليته وتصدى للدور المنوط به.
وفي خضم تبيان الدور انطلاقاً من الفرد إلى المجتمع، وعلى القاعدة القرآنية: {إِنَّ اللهَ لَا يُغيِّرُ مَا بِقَومٍ حَتَّى يُغَيِّروا مَا بِأَنفُسِهِم}، حضرت المنظومة الفكرية للشهيد الإمام السيد علي الخامنئي ومن موقعه الريادي في الإحاطة والمواكبة والتأسيس للفكر الإسلامي الأصيل والمعاصر، لتبرز من خلالها (أي المنظومة) رؤية إنسانية متكاملة تؤسس لمشروع الحضارة الإسلامية انطلاقاً من أسس عقدية وفكرية تهدف إلى الارتقاء بالإنسان فرداً ومجتمعاً.
فمن منطلق الركائز التي انبنى عليها مشروع بناء الفرد، تحضر أولاً ركيزة التربية المتكاملة بين العلم والإيمان، ضمن ثنائية متلازمة يشكلان ركيزة الاقتدار الحقيقي -ونحن هنا في محفل جامعي يمتهن هذا الدور-، وثانياً ركيزة التوازن بين أبعاد التربية الأساسية بناءً على محاور رئيسية تشمل التربية العقلية والتربية الأخلاقية والتربية القانونية وصولاً إلى صناعة الإنسان كأعظم دور يقدمه الفرد -ولا سيما المرأة في الأسرة والمجتمع- بهدف بناء الشخصية الرسالية الواعية، فضلاً عن دور المعلم والنخبة في سياق إنتاج المعرفة والتربية الأخلاقية وبث الأمل والاستقلال الفكري للأجيال.
أما بناء المجتمع والحضارة الإسلامية، فقد قدم الإمام رضوان الله تعالى عليه للتدرج الحضاري: من الثورة إلى النظام، فالحكومة، تليها المجتمع الإسلامي، وصولاً إلى الأمة الإسلامية. وهذا كله في ظل تربية المجتمع على القيم المحورية المستندة على منظومة قيميّة عليا، في مقدمتها التوحيد والعدالة والجهاد والاستقامة والشهادة، هذا فضلاً عن الاستقلال والكرامة الإنسانية، لأجل بناء مجتمع ذي سيادة روحية وفكرية وثقافية يرفض التبعية ويستثمر الطاقات الشابة في مجالات الإنتاج العلمي والتقدم التقني المرتبط بحاجات الأمة.
من هذه المقدمة الموجزة وتثبيتاً للمنطلقات التي يعمل عليها مركز الأبحاث والدراسات التربوية من جهة، ومركز الثورة الإسلامية للدراسات من جهة أخرى، يحضر معنا الضيفان العزيزان: الباحث التربوي والأستاذ الجامعي المتخصص في فلسفة التربية مدير الدراسات النظرية في مركز الأبحاث والدراسات التربوية الدكتور يوسف أبو خليل، ليحدثنا عن المنظومة الفكرية للإمام الخامنئي في التربية والتعليم من منطلق تربية الفرد (أي من منطلق الهوية الإنسانية مروراً بالتربية والتعليم عند الإمام الخامنئي وصولاً إلى عناصر التربية وفق النموذج الإسلامي). هذا في مقطعنا الأول، أما في المقطع الثاني فيسعدنا حضور الضيف الكريم الباحث والمتخصص في قضايا الثورة وفكر الإمام الخامنئي بشكل خاص، مدير مكتب حفظ ونشر آثار الإمام الخامنئي والمستشار الثقافي السابق للجمهورية الإسلامية الإيرانية في بيروت السيد كميل باقر، ليحدثنا عن فن تربية المجتمع في قيادة الإمام الخامنئي من منطلق المشروع الحضاري المبني على المنظومة القيمية الإسلامية بما يمكن أن ينتج مجتمعاً رسالياً حافظاً للسيادة الروحية والفكرية والثقافية ورافضاً للتبعية.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم، صلى الله على محمد وآله الطاهرين.
يسعدني في هذا اللقاء أن أقدم شيئا ولو يسيرا على قدر المستطاع عن رؤية الإمام الخامنئي للتربية والتعليم. ولكن قبل البدء لابد من الإشارة إلى عِدّة نقاط أساسية تحت موضوع التربية والتعليم.
النقطة الأولى: فالتربية والتعليم عند الإمام الخامنئي لم تكن مجالاً إضافة إلى المجالات الأخرى التي تحدث عنها، بل كانتا الهم الأكبر للإمام الخامنئي لأنه كان يعتبر: "التربية والتعليم هما أساس حياة المجتمع". وفي كلام آخر له يقول: "هدف التربية هي نفس أهداف الإسلام". فبالتالي لا يمكن أن نفصل الفكر الخميني الخامنئي عن التربية والتعليم. وهنا أقصد عندما أقول التربية فلا أقصد التربية بالمعنى الأخص بل بالمعنى الأعم، التربية في مختلف المجالات، التربية التي تتناول مختلف الأبعاد الإنسانية، فكل ما يمكن أن يكون من مجال سواء كان هذا المجال اقتصادي، سياسي، جهادي هو مجال تربوي حسب رؤية الإمام الخامنئي. وبالحقيقة الكتاب الذي سأتعرّض إليه هنا هو كتاب ثمين وقيم ونادر، وأعتقد لا يوجد في ساحاتنا التربوية كتاب تناول الرؤية التربوية الإسلامية كما تناولها الإمام الخامنئي في هذا الكتاب.
النقطة الثانية: يمكن نحن رأينا كلمة المنظومة. فكلمة المنظومة التربوية للإمام الخامنئي في هذا الكتاب هي جهد جبار للأستاذ الباحث أحمد نادري الذي استطاع من خلال قراءة فكر الإمام الخامنئي بأكثر من 91 خطاباً على مر سنوات، واستطاع أن يجعل من هذا الكتاب منظومة تربوية تتناول مختلف الأبعاد التربوية. هذا الكتاب كان كتاب العام 2024 في إيران، وأعيد طبعه ونال عدة جوائز، لذلك نعتبر هذا الكتاب قيّما ويجب أن يكون بين يدي كل أستاذ ومعلم وكل أستاذ جامعي وكل مدرب ومربي، لأنه يستطيع من خلال هذا الكتاب التعرف على الرؤية التربوية الإسلامية من خلال الإمام الخامنئي ورؤيته التي أدت إلى مسألتين في الجمهورية الإسلامية. المسألة الأولى مسألة نظرية، والمسألة الثانية مسألة عملية.
أ- المسألة النظرية هي: استطاعوا من خلال رؤية الإمام الخامنئي أن يقدموا فلسفة تربوية إسلامية، وهذا كان من أهم الإنجازات التي أنجزتها الثورة الإسلامية، المجلس الأعلى للثورة الإسلامية في التربية والتعليم في الجمهورية الإسلامية في إيران.
ب- والجانب العملي هو ما نشهده اليوم، أي هذا الصمود الذي نراه إنما يمكن إحالته إلى التحول البنيوي التربوي في الجمهورية الإسلامية في إيران الذي تم سنة عام 2011. الذي بدأ من خلال وثيقة التحول البنيوي للتربية والتعليم والتي دأب الإمام الخامنئي عليها حيث كان دائما يقول: "هذه الوثيقة يجب أن نستفيد منها، نؤسس رؤيتنا الإسلامية، ونبني الإنسان"، لأنه لا يوجد تربية في الهواء، فعندما نتكلم عن تربية الإنسان يجب أن نشير إلى ما هو هذا الإنسان؟ كيف نعرف هذا الإنسان؟ وهذا ما عرفه وبيّنه بشكل مفصل سماحة الإمام الخامنئي في القسم الأول من هذا الكتاب بحيث نعتبر أن الخلاف الحقيقي في التربية يبدأ من الرؤية إلى هذا الإنسان. فالأصل في هذا الموضوع، عندما نريد أن نقيّم أي مسألة لها علاقة بإعداد المناهج أو بمواصفات المعلمين ومواصفات المتعلمين لا يمكن لنا إلا أن نذهب لنعرف نفس هذا الإنسان، أي ما هو الإنسان؟ فليس الإنسان كما يقول الإمام الخامنئي هو إنسان سوق العمل وإن كان هذا الجانب مطلوب، بل الإنسان بالمعنى الذي يطرحه الإمام الخامنئي بشقيه الفردي والاجتماعي، ومن هنا تم تسمية الندوة الفرد والمجتمع. مع العلم بأنّه في الكتاب لم يذكر الإمام الخامنئي الفرد إلا أربع مرات، عندما تكلّم عن الفرد المبادر أو الفرد والمجتمع.
فإذاً نحن عندما نقول الفرد والمجتمع - لأن سماحة السيد كميل باقر سيتناول الجانب الاجتماعي، وأنا سأتناول الفرد - وفي هذا الكتاب سنتحدث عن رؤية الإمام الخامنئي للإنسان وليس الفرد.
أما بالنسبة لتعريف الإمام الخامنئي للحياة الطيبة ففي إحدى خطبه أعلن أن الحياة الطيبة التي نطرحها نحن هي في مقابل الحياة العلمانية. فالحياة الطيبة حسب تعريف الإمام هي الحياة التي تبدأ من الحياة الدنيا وتنتهي بالآخرة. هناك تعريف جميل جداً - والآن ربما لا يسع المجال للحديث عن الحياة الطيبة عند الإمام الخامنئي - الحياة الطيبة ليست الثراء، الحياة الطيبة ليست الغنى وليست الفقر. مفهوم الحياة الطيبة هو أداء التكليف بما يقرب الإنسان من ربه، بما يتكامل به الإنسان للوصول إلى هذه الحياة الطيبة.
أمّا بالنسبة عن مكانة التربية عند الإمام الخامنئي، ففي كلامه عن ماهية العمل التربوي قال:
- أولاً: هي منبع الحياة، أي منبع حياة هذا المجتمع لا تكون إلا بالتربية.
- ثانيًا: غدنا رهن التربية والتعليم، نحن نعلم - والتربويون يعلمون - أن الغد والمستقبل تصنعهما التربية. وهذا هو الفرق بين الثقافة والتربية، فالثقافة هي نقل ثقافة مجتمع من الماضي إلى الجيل الجديد، أما التربية بهذا المعنى فتتجاوز الثقافة لتصنع المستقبل.
- ثالثًا: المساهمة في بناء مستقبل المجتمع، أي المساهم الأساسي، فلا يمكن لمجتمع أن يُبنى دون تربية - ونحن نعلم ولسنا بحاجة إلى دليل - بأن أعداءنا أول شيء يلتفتون إليه بعد الاستعمار والهيمنة هو موضوع التربية؛ فيدخلون إلى وزارات التربية، ويدخلون إلى المناهج، يريدون تغييرها، وتبديلها، وتحويرها.
- رابعًا: صناعة عالم المستقبل، يعني المستقبل - هو يتحدث عن مستقبل ليس مستقبل الفرد، بل مستقبل الإنسان والمجتمع - لا يمكن أن يكون إلا بالتربية. فالتربية هي أعم من الجامعات، والمدارس، والأسرة، وغيرها. فالصفات الأساسية للتربية كان يعبّر عنها سماحة القائد بالصناعة، وخاصة عندما كان يتحدث مع المعلمين وجمع المعلمين، كان يقول لهم: "أنتم الفرصة التي تقضونها لا أحد يأخذها، تقضون اثنتي عشرة سنة. هذه الاثنتا عشرة سنة يجب أن تكون مخرجاتها بناءً على المنظار الإنساني الإسلامي".
- خامسًا: القائد دائماً عندما كان يتحدث عن التربية كان يقاربها كمسألة أساسية بنيوية، حيث كان يقول: "التحوّل، أي تحول نريد؟ لا يكون التحول بمعنى التحول الظاهري، بل التحول البنيوي"، وهذا ما كنت أشير إليه؛ التحول البنيوي الذي يبدأ من تعريفنا للإنسان والمجتمع.
ولا يمكن أن نفصل ما بين التربية والحضارة. فإذا أردنا بناء حضارة فبالتربية. وإذا أردنا نهدم حضارة فبالتربية السلبية. أما الملامح والعناصر التربوية التي يجب العمل عليها لبناء هذا الإنسان وهذه الحضارة من منظار تربوي فهي على الشكل الآتي:
أيضًا ركّز الكتاب على موضوع المعلم، حيث تناول بشكل مفصل موضوع المعلم وصفاته وأهميته. ولم يفرط الإمام الخامنئي في فرصة تربوية إلا وتحدث فيها عن المعلم ودوره. وكان دائماً يركز على أن علينا أن نبني الكادر، وبناء الكادر هو بناء المعلمين. ليس لدينا معلمون فحسب، بل كان يسميهم "النخبة"، والنخبة عند الإمام هي النخبة الفكرية والعلمية في الجمهورية التي تعمل عليها. وهي هذه النخبة التي أدت بالجمهورية الإسلامية إلى هذا التطور، وخاصة جيل الشباب الذي هو الآن يصنع هذا الصمود وهذه القوة المتينة التي نراها اليوم، وهي من صنع هؤلاء الشباب الذين ربتهم الجمهورية الإسلامية في إيران.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين وصحبه الأخيار المنتجبين. أشكر الإخوة في مركز الأبحاث والدراسات التربوية على تنظيم هذه الندوة، وأشكر الإخوة في جامعة المعارف على استضافة هذه الندوة العلمية والفكرية حول فكر القائد الشهيد الإمام الخامنئي.
باختصار شديد، ربما برز هذا السؤال بعد شهادة الإمام، وبعد الأحداث التي مرت علينا في إيران في الجمهورية الإسلامية خلال السنتين الماضيتين، من بعد حرب اثني عشر يوماً، ثم الحرب الأخيرة بشهادة القائد الشهيد وكثير من القادة والمسؤولين السياسيين والأمنيين والعسكريين. برز هذا السؤال: كيف صمد المجتمع الإيراني أمام كل هذه التحديات والتهديدات، وكل هذه الضغوطات وهذه الحروب التي شنت على الجمهورية الإسلامية بهدف إسقاط هذا النظام؟ ورهان الأعداء كان على هذا المجتمع، أننا نقتل رأس السلطة والنظام، وتبقى مهمة المجتمع أن ينهض وينزل إلى الشارع. وهكذا كانوا يفكرون ويخططون ويعلنون أصلاً ويصرحون أننا نحن قمنا بواجبنا، بقي عليكم أيها الشعب الإيراني والمجتمع الإيراني أن تنهوا هذا النظام.
كيف صمد هذا المجتمع وكيف التفّ حول قيادته، وكيف التفّ -ليس فقط حول قيادته- بل التفّ حول نظامه ودولته وجمهوريته الإسلامية؟ حتى في الظرف الخاص الذي لم يكن هناك قائد في إيران لعدة أيام بعد شهادة القائد الشهيد وإلى حين انتخاب القائد الجديد سماحة السيد مجتبى، إيران كانت بلداً بلا قائد وبلا رأس عملياً. أما دستورياً وقانونياً، فلم نواجه فراغاً بالمفهوم القانوني، ولكن عملياً لم يكن هناك قائد فعلي موجود، والولي الفقيه نائب الإمام -كما نحن نعتقد وهذا موجود في الدستور- هذا لم يكن موجوداً، يعني الإمام كان غائباً ونائب الإمام كان شهيداً، ولم يتم تعيين نائب جديد للإمام بعد، فمجلس خبراء القيادة أصلاً لم يستطيعوا أن يجتمعوا حتى يحددوا من هو القائد.
فكيف صمد هذا المجتمع؟ طبعاً خلال كل المراحل التي مضت حتى شهادة القائد، وأيضاً بعد شهادة القائد خلال الأشهر الماضية، في حدود ثمانية أشهر إلى تسعة أشهر حتى الآن. كل يوم وكل ليلة، الشعب في كل أنحاء البلاد، في كل المدن وحتى القرى النائية والبعيدة في كل المحافظات، هذا الشعب ينزل إلى الشارع ويأخذ بيده علم الجمهورية الإسلامية وعلم حزب الله أيضاً ويدافعون عن خيار المواجهة والمقاومة، وحتى يضغطون على المسؤولين ويطالبونهم بالقيام بمسؤولياتهم وواجباتهم في دعم جبهة المقاومة ومحور المقاومة، والاستمرار في خيار المواجهة والانتقام وأخذ الثأر للقائد ولجميع الشهداء.
طبعاً هذا السؤال هو أساسي ومحوري، ومن منطلق هذا السؤال ندخل في مقولة تربية المجتمع. فهناك جملة مهمة لسماحة السيد مجتبى في أربعينية القائد الشهيد، لأنه ربما الشخص الأول الذي لفت نظرنا إلى هذا الفن في قيادة القائد الشهيد هو القائد الجديد سماحة السيد مجتبى حيث قال "أحد الفنون الكبيرة -أعني فنون القائد الشهيد الكبيرة التي قلما يلتفت إليها- هو فن تربية المجتمع عبر صياغة الأفكار والروحانيات والعواطف لدى الجماهير العريضة والفئات الاجتماعية". ربما يكون القائد سماحة السيد مجتبى الشخص الأقرب إلى القائد الشهيد، ليس فقط كابنه، بل حتى في مواصفاته وخصوصياته ومتابعته لقيادة القائد وأساليبه القيادية. وهو الذي لفت نظرنا إلى وجود هذا الفن عند القائد الشهيد، بأن القائد الشهيد استطاع أن يربي مجتمعاً. وهذا المصطلح أصلاً كان مصطلحاً جديداً.
في علم الاجتماع وأيضاً علم التربية، لدينا مجموعة من المصطلحات؛ فهناك فرق بين التربية الفردية أو تربية الفرد، وبين التربية الاجتماعية، والتربية المجتمعية، وتربية المجتمع، حيث أصبح لدينا أربعة مصطلحات. التربية الفردية أو تربية الفرد واضحة، تتعلق برؤية القائد تجاه تربية الفرد، وهذا موجود، أي أن هذا التوجه موجود لدى القائد في تربية الفرد وبناء الفرد وصناعة الإنسان كفرد.
ولكن إلى جانب ذلك، لدينا التربية الاجتماعية، وتعني التربية الاجتماعية -بمعنى أن نربي الفرد حتى يكون شخصاً جيداً ومفيداً في المجتمع- كيف نربي الفرد حتى يكون إنساناً ناجحاً ومفيداً في المجتمع إذا صح التعبير؟ بناءً على ذلك، التربية الاجتماعية موجودة أيضاً، أي أننا لم نأت بشيء جديد في هذا المجال.
ولكن كلام القائد كان حول تربية المجتمع وليس التربية الاجتماعية، وسأشير إلى الفرق بين التربية الاجتماعية وتربية المجتمع. حتى إن هناك فرقاً بين التربية المجتمعية وتربية المجتمع؛ فالتربية المجتمعية تعني كيف تخدم مؤسسات المجتمع لبناء الفرد وصناعة الفرد وتربية الفرد أيضاً. إذن، الموضوع في التربية المجتمعية هو الفرد أيضاً وليس المجتمع.
ولكن كلام القائد سماحة السيد مجتبى كان دقيقاً، فهو يتحدث عن تربية المجتمع. بناءً على ذلك، نحن نحتاج إلى بعض المقدمات؛ ومن أهم المقدمات أن نعتبر أولاً هوية مستقلة للمجتمع إلى جانب الفرد. فالفرد شيء والمجتمع شيء أيضاً، وليس المجتمع فقط مجموعة أفراد، فإذا اجتمعت مجموعة أفراد حول بعضهم شكلوا مجتمعاً، لا، بل للمجتمع هوية مستقلة كما أن للفرد هوية مستقلة. وهنا القائد -وما نفهمه من رؤيته الفلسفية تجاه الفرد والمجتمع- يعتقد بأصالة الفرد وأصالة المجتمع، وليس أصالة الفرد على حساب المجتمع، وليس أصالة المجتمع على حساب الفرد، لا. فهو أحياناً يتحدث عن الفرد ويعتبر له أصالة، ويتحدث عن تربية هذا الفرد وتربيته في داخل المجتمع، وأيضاً يتحدث عن المجتمع كموضوع للتربية بغض النظر عن مجموعة الأفراد أو أحياناً بعض الاستثناءات في نفس المجتمع.
نعم، في نفس المجتمع الذي هو مجتمع إسلامي، مجتمع صالح، مجتمع مقاوم، مجتمع ثوري، مجتمع إيماني، في نفس هذا المجتمع أحياناً هناك أفراد لديهم توجهات مختلفة، لا إشكال، هذا لا يؤثر. هذه الاستثناءات كانت موجودة وستبقى موجودة دائماً، ولكن هل نستطيع أن نقول إن هذا المجتمع تم تربيته أم لا؟ كمجتمع، بغض النظر عن مجموعة الأفراد.
الفن الذي يتحدث عنه سماحة السيد مجتبى حول قيادة الإمام الخامنئي الشهيد هو فن تربية المجتمع، أي بناء الشخصية الجمعية والوعي العام والهوية والروح الاجتماعية والإرادة الحضارية. والسؤال الأساسي في تربية المجتمع هو عبارة عن: كيف يربى المجتمع نفسه؟ وهنا يكمن السؤال: كيف يربى المجتمع نفسه؟ وإذن الموضوع في تربية المجتمع هو المجتمع بوصفه كياناً مستقلاً ذا هوية ومسار تاريخي. إذن صار هناك فرق بين هذه المقولات الثلاث أو الأربع.
فإذا أردنا أن نتحدث عن تربية المجتمع، فهذا يعني أولاً -كما ذكرت- المقدمة الأولى الضرورية، وهي أن نعتبر للمجتمع هوية مستقلة عن الفرد ومجموعة الأفراد. والنقطة الثانية والمهمة هي أصل هذا الفهم والرؤية الدقيقة، أو فهم القائد الشهيد عن الدين، أي الفهم الاجتماعي للدين عند القائد، وهذه نقطة أساسية.
البعض لديه فهم فردي للدين، فعندما يراجع الآيات القرآنية أو الروايات، يذهب فقط إلى النقاط الفردية، أو يفسر حتى الآيات الاجتماعية بطريقة فردية. هذا الخلل موجود لدى كثير من المفسرين، حتى بعض كبار المفسرين أحياناً، أو بعض الأشخاص الذين يقضون عمرهم في مجال الدين والقرآن والإسلام والحوزات والجامعات الدينية والعلوم الإسلامية، ولكن لا يستطيعون أن يرتفعوا إلى هذا المستوى من الفهم العميق للدين الإسلامي، بأن هذا الدين أصلاً من أجل هداية الفرد والمجتمع وبناء الفرد والمجتمع.
وأكثر من ذلك -طبعاً أنا أذكر بعض الأمثلة والنماذج فقط في كلام القائد، بعض العبارات، لكي نرى كم كان القائد لديه هذه الرؤية الصائبة والدقيقة، وكان مصراً منذ بدايات انطلاقته في الحركة الثورية والتبليغية على التأكيد على هذا البعد الاجتماعي في الدين- يقول في مقدمة كتاب "مشروع الفكر الإسلامي في القرآن"، هذه المقدمة التي كتبها سماحة السيد القائد بخط يده بعد محاضرات مشروع الفكر الإسلامي (أنتم تعرفون هذا الكتاب وأهميته، لا أريد أن أخذ وقتكم في هذا الجانب، فهو الكتاب الاستراتيجي والمتن الأساسي لكل محاضرات القائد الأخرى، وأنا هكذا أعتبر، فمن يريد أن يفهم القائد ومنظومته الفكرية بمختلف المجالات السياسية والاقتصادية والجهادية والأمنية والتربوية والعلمية وغيرها، يجب أن يراجع هذا الكتاب كالمتن الأساسي لفكر القائد ومنظومته الفكرية). ثم يأتي القائد وفي مقدمة هذا الكتاب، في أول جملة عندما يريد أن يشرح أهمية هذه المحاضرات، وأن ما الفرق بين هذه المحاضرات وبين بقية المحاضرات التي تتحدث عن أصول الدين والعقائد الإسلامية، أول جملة يذكرها القائد يقول (طبعاً هذا كلام القائد قبل أربع أو خمس سنوات من انتصار الثورة أيضاً، لنرى كم هو بعيد النظر): "إن تقديم الإسلام بوصفه مسلكاً اجتماعياً ذا أصول منسجمة ومتناسقة ومعنياً بالحياة الاجتماعية للإنسان، يعد من أكثر الضرورات إلحاحاً في الفكر الديني". تقديم الإسلام كمسلك اجتماعي ومعنًى بالحياة الاجتماعية للإنسان هو من أكثر الضرورات إلحاحاً.
طبعاً، القائد يتحدث قبل أكثر من خمسين سنة، وللأسف لحد الآن نحن نعاني من النقص في هذا الجانب، وعدم تقديم الدين كمسلك اجتماعي معنيّ بالحياة الاجتماعية. دائماً في التبليغ، نحن المبلّغين نأخذ الجانب الفردي ونبيّن الجانب الفردي كأن الإسلام جاء فقط من أجل الفرد.
ومن هذا المنطلق يقول سماحة السيد القائد -إن هذا الفهم الاجتماعي للدين الإسلامي- ويأتي ليقول القائد: "أصلاً استراتيجية الأنبياء من أجل تربية الفرد عبارة عن تربية المجتمع". صحيح أن الأنبياء كانوا يهدفون إلى تربية الإنسان، تربية الفرد، كمال الإنسان، سعادة الإنسان كفرد، صحيح، نحن نريد أن يصل كل إنسان إلى هذا المستوى، ولكن كيف كانوا يربون الإنسان؟ هل من خلال التربية الفردية؟ القائد يقول لا ليس التربية الفردية هي الأساس لدى الأنبياء، فصحيح أن الأنبياء كانوا يقصدون تربية الأفراد، ولكن من خلال تربية المجتمع. عمل الأنبياء وجهد الأنبياء كان بناء المجتمع وصناعته، ومن خلال بناء المجتمع وتربيته كانوا يقومون بتربية الأفراد. عندما أصبح المجتمع مجتمعاً مؤمناً دينياً إسلامياً، أي أصبحت البيئة جاهزة لتربية الأفراد. لأن رسالة الأنبياء كانت رسالة عالمية لجميع الأفراد، ولو أرادوا أن يحكموا كل شخص لوحده ويربوه، لكان الوقت قد مضى والعمر انتهى والمهمة بقيت على الأرض. مهمتهم هي تربية كل هؤلاء الأفراد. حسناً، كيف يربون؟ القائد يقول: "بدل أن يربوا الإنسان فردًا فردًا، وكانوا يصنعون مصنعاً لتربية الإنسان"، فالأنبياء كانوا يصنعون مصنعاً لصناعة الإنسان، وهذا المصنع -أي المجتمع- هو الذي يربي الإنسان، لأن البيئة أصبحت بيئة جاهزة لصناعة الإنسان.
النقطة الأخيرة تقريباً، وربما ذروة الفكرة، هي أن القائد الشهيد رضوان الله تعالى عليه وصل في هذا الفن -بتعبير صناعة المجتمع وفن تربية المجتمع- إلى مستوى متقدم جداً جداً في تربية المجتمع. انظروا، نحن إذا أردنا أن نربي المجتمع، فوظيفة القائد، قائد الثورة، بناء المجتمع وتربية المجتمع الذين هما أصلاً عبارة عن المرحلة الرابعة من مراحل الثورة في فكر القائد، فهكذا كان ينظر القائد إلى موضوع بناء المجتمع وتربية المجتمع. إذن من الضروري أن يفكر في تحقيق هذا الهدف كوظيفة للقائد، الوظيفة القيادية لقائد الثورة الإسلامية في تحقيق هذا الهدف.
حسناً، تارة يأتي أي قائد من القادة -قائد في أي ثورة من الثورات الإسلامية- ويقوم بوظيفة تربية المجتمع، فيربي مجتمعاً دينياً إسلامياً، مؤدباً، متخلقاً، شجاعاً، مقاوماً، ومستوى من مستويات المجتمع الذي تم تربيته. ولكن القائد وصل في تربية المجتمع إلى الذروة ونقطة الأوج التي أعتقد أنه من الصعب أن نصل إليها، أو حتى لا يوجد في تجارب كل الأنبياء والأئمة عليهم السلام (ليس لنقص فيهم كفاعل بل بسبب عدم قابليات المفعول) الوصول إلى هذا النجاح الباهر الذي حققه سماحة القائد الشهيد من خلال تربية المجتمع. ما هي هذه النقطة؟ هي أنني كقائد أربي مجتمعاً، حيث هذا المجتمع هو نفسه يصبح القائد. لا يوجد أكثر من هذا. أصبح هذا المجتمع هو القائد، أي تم تحويل المجتمع من مجتمع القائد إلى المجتمع القائد، وهذا ما لمسناه خلال كل هذه الأشهر، هذا ما لمسناه بعد شهادة القائد. لذلك يقول سماحة السيد مجتبى، أختم بهذه الجملة من كلام سماحة السيد مجتبى في أول بيانه بعد انتخابه واختياره كقائد للثورة الإسلامية: ماذا قال سماحة السيد مجتبى؟ قال: لاحظوا هذه الجملة، طبعاً بدأ سماحة السيد مجتبى بيانه الأول -ونحن كلنا كنا ننتظر ونترقب أن القائد الجديد سيصدر بياناً يبدأ البيان بهذه الآية الكريمة: بسم الله الرحمن الرحيم: {مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا}. فقلت: يا الله، ماذا يريد أن يقول؟ أنا شخصياً قلت: كيف سيفسر هذه الآية؟ هل يريد أن يقول: أنا مثل أبي أو خيرًا منه؟ ليس هكذا، لا يجوز؛ فلماذا بدأ بهذه الآية في أول بيان ونحن نريد التعرف على القائد الجديد؟ وهو يقول: لا تخافوا، لا تقلقوا، ما ننسخ من آية، الآية التي تم نسخها هي آية الله العظمى الشهيد الإمام الخامنئي، وكان آية من آيات الله وذهب ورحل. الآية التي جاءت مكان الآية السابقة، ما هي هذه الآية؟ بدأ -بعد مقطع أو مقطعين من البيان- يقول: "أرى من الضروري التأكيد على نقطة لها صلة مباشرة بجوهر كلامي، وهذه النقطة هي أن من جملة فنون القيادة لدى القائد الشهيد" -انظروا، يتحدث عن فنون القيادة، هذا الفن، فن تربية المجتمع- "استطاع القائد من خلال فن تربية المجتمع أن يربي مجتمعاً يستطيع أن يصبح قائداً، حتى إذا هو رحل، هذا المجتمع يستمر ولا يسقط، هو الذي يقود". ونفس الشيء. يقول: "أحد فنون القائد الشهيد من جملة فنون القيادة لدى القائد الشهيد وسلفه العظيم: إدخال الناس في جميع الميادين، وإمدادهم على الدوام بالبصيرة والوعي، والاعتماد عملياً على طاقاتهم وقوتهم، وبهذا المعنى منح المفهوم الحقيقي للجمهور والجمهورية صورته الفعلية، وكان يؤمنان بذلك من أعماق قلبيهما، وقد تجلى الأثر الواضح لهذا الأمر خلال الأيام القليلة التي مرت والبلاد بلا قائد، وبلا قائد أعلى للقوات المسلحة، إذ إن بصيرة الشعب العظيم ووعيه في الحدث الأخير وصموده وشجاعته وحضوره في الساحة أدهشت الأعداء وأثارت إعجاب الأصدقاء، لقد كنتم أنتم أيها الشعب من قاد البلاد وضمنا اقتدارها".
إذن، هذه نتيجة فن تربية المجتمع: أن يربي قائد، مجتمعاً قائداً. وهذا -لذلك أنا مصر أن أقول- إن هذا النجاح لا مثيل له في تاريخ الأنبياء وتاريخ الأئمة عليهم السلام. انظروا، النبي موسى عليه السلام ذهب أربعين يوماً إلى طور سيناء للقاء الله تعالى، فرجع فرأى -بعد كل المعجزات، وبعد ما رأوا بأم أعينهم كيف عبروا نهر النيل ونجوا من فرعون، (بنو إسرائيل: نعم، بنو إسرائيل)-، بعد كل هذه المعجزات، أربعين يوماً تركهم، وما تركهم نهائياً، بل وضع مكانه أخاه -وهو كان نبياً هارون- يعني الإمام غير موجود ولكن نائب الإمام موجود، ورغم أن نائب الإمام موجود، هم تراجعوا وانحرفوا. وبعد رحيل الرسول صلى الله عليه وآله نفس الشيء؛ كم ساعة؟ قبل أيام قليلة من رحيل الرسول تم تعيين الخليفة، وكلهم بايعوا القائد والإمام كقائد، فكيف انحرفوا؟ وكل التجارب الأخرى في حياة الأئمة عليهم السلام لا يوجد مثيل لهذه التجربة لأن القائد الإلهي غير موجود، القائد الأساسي غير موجود، ونائب القائد الأساسي غير موجود، ولكن هذا المجتمع استطاع أن يحمل المشروع ويستمر إلا بهذه التجربة.
تعليقات