التربية والتعليم في زمن الأزمات والحروب: الهوية المقاوِمة وفرص الصمود الأسري
بسم الله الرحمن الرحيم، السلام عليكم جميعًا ورحمة الله وبركاته.
تأتي انطلاقة هذه السلسلة من اللقاءات العلمية في ظل ظروف استثنائية وتحديات متراكمة يمرُّ بها واقعنا التربوي والتعليمي، لا سيما خلال السنوات الثلاث الأخيرة؛ حيث أفرزت حالات التهجير القسري وتبدل الظروف المحيطة واقعاً جديداً يتطلب منا جميعاً قراءة واعية ومسؤولة. وإن المسؤولية الملقاة على عاتقنا اليوم تحتم علينا النظر من خلفية القدرة على التكيف والترميم، دون التنازل عن الثوابت البنيوية الحاكمة لعمليتنا التربوية.
وفي هذا الملتقى، نفتح النقاش حول عنوان أساسي يلامس عمق وجودنا ومستقبل أجيالنا، حيث سنحاول خلال هذا اللقاء الإجابة عن تساؤلات تتوزع على محوري العمل الأساسيين:
- المحور الأول: يرتبط ببناء الهوية المقاومة لدى الناشئة، وتفكيك أثر الحروب وصراع القيم على الوعي والسلوك، وصولاً إلى استكشاف أحدث المقاربات التربوية والمناهج التعليمية القادرة على بناء جيل تحرري يقاوم الاستلاب، وينتقل من الحيز الشعاري إلى الترسيخ الفعلي.
- المحور الثاني: يتطرق إلى دور الأسرة في حالات الفقد في زمن الحروب، وكيف يمكن للفهم الواعي وتكامل الأدوار بين الأسرة الممتدة والمدرسة أن يعزز التعافي ويقدّم الدعم النفسي والاجتماعي للطالب وللأسرة المكلومة؛ لتجاوز الصدمة واستعادة دور الفاعل كعنصر صمود ومقاومة.
بسم الله الرحمن الرحيم؛
بداية،
شكراً لمركز الأبحاث والدراسات التربوية لإتاحة الفرصة للإطلالة على هذا الموضوع الذي يُصنف ضمن المواضيع الحَرِجة اليوم والتي تهمّ الجميع.
ما أودُّ قوله أولاً هو أن ننطلق من فرضية هامة تقول: إن الحروب والأزمات والتحولات القيمية قد تركت بالتأكيد تأثيرات هائلة. فنحن لا نتحدث فقط عن الآثار النفسية للحرب، أو الخوف والقلق والشعور بعدم الأمان، بل إنها حفرت بشكل عميق جداً في طريقة تفكير النشء والشباب اليوم، وفي الجماعة التي ننتمي إليها، ومستقبلهم ووعيهم وموقعهم ضمن الجماعة بشكل عميق جداً. إذن، ما يحصل اليوم هو حفر عميق في الذاكرة وفي السرديات والتصورات التي يحملها الشباب، وفي أنماط التفكير والسلوكيات ونظرتهم لذواتهم وللآخر. ولذلك، لا يمكننا اليوم التعامل مع الأزمات والحروب والتحولات القيمية المتسارعة كحدث عسكري معزول، إذ تتداخل فيها اليوم تأثيرات هائلة من الذاكرة التاريخية والسرديات والانتسابات الوطنية والمناطقية والعائلية، حيث يُعاد تشكيل هذه الهوية بأدوات نعرف مدى قدرتها وفاعليتها على مستوى وسائل التواصل الاجتماعي وتقنية المعلومات، ومدى التحولات الهائلة التي تتركها لدى الشباب.
وعند الحديث عن سيناريوهات هذا التأثير على الشباب، قد نرى في الشارع أو الحي أن الأزمة الاقتصادية أو الحرب قد حوّلت السلوكيات المتعلقة بالأفراد إلى سلوكيات قد تكون عنيفة أو متطرفة في بعض الحالات. وهذا يقودنا إلى سيناريو أول في طريقة التفكير حول العلاقة بين الحرب والتحولات والسلوكيات لدى الشباب والجماعات. في السيناريو الأكثر هيمنة وبساطة - والذي يعتمد عليه بعض المتخصصين في علم اجتماع التربية - تُعتبر التحولات مبادئ تبدأ من ثقافة المجتمع لتترك تأثيراتها على هوية المؤسسة التربوية، وبالتالي على ثقافة الأفراد وقيمهم، وكأننا نتحدث عن حروب وأزمات تعيد تشكيل طريقة تفكير الشباب ووعيهم وفهمهم لذواتهم وللآخر، مما يؤثر بطبيعة الحال على إعادة تركيب انتماءاتهم ورسم حدود "نحن" والطرف الآخر داخل البلد، وهذا ينعكس على سلوكيات نراها كالانسحاب، أو التجنب، أو التضامن، أو المشاركة، وصولاً إلى إعادة التفكير بمستقبلهم داخل الوطن أو خارجه.
هنا نتحدث عن علاقة حتمية تفكر فيها المؤسسة التربوية، حيث تبدو وكأنها انعكاس للثقافة المهيمنة لهذه الجماعة. وأعتقد أن هذا سيناريو خطير على المستوى التربوي، لأنه يحمل في مضمونه نوعاً من الاستلاب والقبول بأن الحروب والتحولات القيمية تستخدم أدوات وتقنيات فعالة تعيد تشكيل الهوية والسلوك لدى الأفراد تلقائياً. هذا السيناريو الأول لا نقبله على المستوى التربوي، وهو جزء من الأدبيات التربوية.
أما السيناريو الثاني الذي ينظِّر له الأدب التربوي أيضاً، فهو السيناريو المعاكس، فبالرغم من أن الحروب والأزمات تعيد تشكيل الهوية وتؤثر على السلوكيات، إلا أنه يمكننا بطريقة عكسية إعادة تشكيل هذه الهوية وترميم القيم عبر دور تربوي مقصود - كما يعبر بعض التربويين - تضطلع به المؤسسة التربوية.
وللأسف، ولكي نكون صريحين مع أنفسنا، لا تتوفر لدينا اليوم دراسات على مستوى الواقع اللبناني تتناول مرتكزات وأشكال ومكونات هذه الهوية لدى الأفراد. وهذا يفترض أن يكون دور الجامعات والمراكز البحثية للقيام بدراسات نوعية تتجه للشباب وتحاكيهم - وليس مجرد استبيانات رأي - لمعرفة مستوى ونوع هذه التحولات، فقد تكون صانعة لنقاط قوة لا نعرفها، أو قد تؤثر سلباً بشكل خطير ليشكل فجوة بين النشء والهوية الثقافية أو الدينية التي يحملونها.
في الأدب التربوي الكلاسيكي، يتساءل المرء حول كيفية التعامل مع المتعلم في ظل الحروب والنزاعات التي قد تؤثر على معتقداته وتصوراته وإيمانه، وعلى القيم المتعلقة بالحياة والموت والشهادة، حيث يتناول الأدب التقليدي تنمية قدرة المتعلم على النقد، وقراءة السرديات ومقارنتها، والتمييز بين الوقائع والتفسيرات والمواقف، والتحقق من المعلومات. أي إن المدرسة يجب ألا تبني عند المتعلم سردية جاهزة ليتبناها، بل تدربه على التساؤل: مَن يقدم هذه الرواية؟ وما هي الوقائع المستند إليها؟ وما الذي تغفله أو تعارضه هذه السردية؟ وكيف يمكن أن يختلف فهم الآخر للحدث نفسه؟ هذا مدخل لتأكيد أنه يمكن للمؤسسة التربوية والمدرسة تحديداً ممارسة دور مهم في تشكيل حصانة قيمية لدى المتعلمين، وترميم القيم التي تُعتبر حاجة أساسية لهوية المؤسسة وثقافتها. وأنا سأركز على مدخلين أساسيين نعتبرهما هامّين لدور المؤسسة:
المدخل الأول
يرتبط بالمؤسسة ذات الطابع الديني. على المستوى التربوي، حيث أنحو لإلفات النظر إلى أن مدخل إعادة إحياء القيم وترميمها وبناء الهوية المقاومة يعتمد بشكل أساسي على المؤسسة التي تحمل هوية دينية. وهذا الطرح ليس من منطلق فردي أو إيماني فقط، بل هو جزء من تيارات تربوية سائدة عالمياً (أوروبا، أمريكا، كندا) تنتمي إلى "نظريات الروحانية في التربية". فهناك اتجاه تربوي يتحرك اليوم نحو تشكيل المعنى لدى المتعلم، لأنه على الرغم من أن الحضارة والتربية المعاصرة وفّرتا كمية معلومات هائلة بفضل التقنية المتقدمة، إلا أنهما لم تقدما إجابات كافية عن معنى الحياة وسبب وجودنا. وتؤكد هذه النظريات الروحانية أن وظيفة التربية لا تقتصر على نقل المعارف وإكساب المهارات، بل تتعداها إلى مساعدة الإنسان على اكتشاف ذاته، وإدراك معنى وجوده، وبناء علاقة أكثر انسجاماً مع الآخر والعالم. إذن، دور المدرسة هو أن تحول الفضاء التعليمي إلى مكان لبناء المعنى. والنقاش اليوم حول ما إذا كانت المؤسسة الدينية تشكل إضافة ثقافية للمجتمع هو نقاش محسوم وفق هذه الأدبيات، فهي حاجة ماسة اليوم. ففي الغرب مثلاً، يُدخلون حصصاً للتأمل واليوغا للبحث عن المعنى، بينما نمتلك نحن قوة حقيقية في مؤسساتنا الدينية يجب الحفاظ عليها وتعزيزها لتتمكن من انتشال الناشئة من التمزقات والمشكلات الطارئة. فالشباب اليوم يواجهون تحولات عالمية متسارعة وصادمة تؤثر على القيم المتعلقة بالحياة والطفولة وحقوق الإنسان. وأمام مشاهد الشهداء من الأطفال، يطرح الشباب أسئلة عميقة جداً: من أنا؟ وأين موقعي مما يحدث؟ ما قيمة حياتي؟ ما الذي يستحق الالتزام؟ كيف أفهم الخير والعدالة؟ وكيف أنظر إلى الآخر؟ وما الذي يمنح مستقبلي معنى؟
وهنا تبرز أهمية تحول المؤسسة التربوية من مجرد فضاء لنقل المعرفة إلى فضاء لبناء المعنى والوعي والهوية والتأمل والحوار. وفي هذا الإطار، لا يقتصر دور المعلم على كونه ميسراً تقنياً يستخرج المعلومات ويصنفها، بل يتحول إلى مرشد وميسر لرحلة اكتشاف الذات والمعنى لدى المتعلم. وهذه العوامل الفردية البسيطة في الظاهر تحمل عمقاً كبيراً، كحضور مدير المدرسة في المصلى، أو مشاركته الطلاب في الشعائر والطقوس الدينية.
أستعيره من الفيلسوف والتربوي البرازيلي باولو فريري الذي يتحدث عن "التعليم التحرري"، وهو التعليم الذي يحول الأفراد إلى أحرار، ويعد مرادفاً لفهم وهوية الشخص المقاوم.
الأشخاص التحرريون – بحسب باولو فريري- يمتلكون نوعاً من الوعي يُسمى "الوعي الناقد المتعدّي" في مقابل "الوعي الساذج" الذي تبنيه المناهج التعليمية التقليدية ويكثر في مراحل الأزمات بسبب الانفعال والاستقطاب وشدة تأثير وسائل الإعلام.
والوعي الناقد يتحقق عندما نبني من خلال المنهج التعليمي قدرة لدى المتعلمين على تشخيص المشكلات، والابتعاد عن الأحكام المسبقة، والبحث عن الأسباب، والاستناد إلى الأدلة. والانتقال بالمتعلمين من الوعي الساذج إلى الوعي الناقد والمتعدي يتطلب جهداً تربوياً ناقداً ومقصوداً.
بسم الله الرحمن الرحيم؛
بداية،
يشرّفني أن أقدّم ما طلبه مني مركز الأبحاث والدراسات التربوية، وأشكرهم على هذه الفرصة للإطلالة من خلال هذا الموضوع.
طبعاً ما تحدث به الدكتور وليد يعطينا - إذا صح التعبير- الإطار العام النظري لأي مفهوم أو موضوع يمكن طرحه، لأن موضوعنا الذي سنتحدث عنه سيكون أخصّ، بما أنه يركّز على الأسرة المكلومة، ولا سيما التي تعاني من صدمة أو حالة الفقد.
بطبيعة الحال، نشكر الله سبحانه وتعالى أننا قد وصلنا في عصرنا هذا إلى مجتمع يمتلك درجة كبيرة جداً من العطاء، بحيث أصبحنا جميعاً نحمل ونروج لشعار الجهاد والشهادة في روتيننا اليومي، وأصبحنا نتقبل الشهادة بدرجة عالية من الوعي والصبر والتحمل الكبير للمسؤولية، حتى إننا رأينا الكثير من الأسر تتمنى لو أنها قدّمت مثلما قدّمت عوائل الشهداء. وهذا أمر هام جداً في قياس مستوى بلوغ المجتمع ورشده مقارنة بتطوره عبر التاريخ.
على كل حال، ورغم كل هذا الوعي الذي وصلنا إليه، إلا أنه لا تزال هناك - وأنا سوف أسعى لأن أكون عملياً وأن أطلق من الخبرة التي اكتسبناها في هذا المجال - بعض التصرفات أو الأدوار التي نقوم بها ولا تؤدي المطلوب أو لا توصل إلى النتيجة المرجوة، بل بالعكس قد تكون مضرة أحياناً. وطبعاً هذا الأمر نسبي، فليس بالضرورة أن ينطبق ما سأذكره على جميع حالات الأسر أو حالات الفقد، ولكن هذه الأمور موجودة بنسب متفاوتة. وقد قسمت بحثي إلى ثلاثة محاور:
1- سوف أبدأ بحثي بمسألة الحرب وآثارها. بطبيعة الحال، نحن ننطلق من مفاهيم وخلفية دينية، وهذا يساعدنا جداً في فهم ووعي ما يجري حولنا، وخاصة مسألة الحرب. فالله سبحانه وتعالى يقول: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ ۗ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة: 155]. بالطبع نحن لن ندخل الآن في تفسير الآيات، ولكن كلنا نفهم معنى الابتلاء ومكانته في المنظومة الإسلامية، وكيف أنه بمعنى من المعاني فرصة للنهوض ودراسة نقاط الضعف وتقويتها وتعزيزها، بدلاً من أن يكون نقطة عجز أو استمراراً له أو تهديداً محضاً.
وبما أننا نتكلم عن حالات الفقد أو الأسرة التي تعاني من هذا الموضوع، فمن الأمور التي نلاحظها دائماً أن هذه الحالات تتأرجح بين العجز والانكسار، وبين ضرورة أن تتحمل الأسرة وأفرادها مسؤولية مضاعفة عما لدى الآخرين. ولنتفق على نقطة، وهي أن لهذه الأسر النصيب الأوفى في تحمل المسؤولية، ولكن المشكلة تكمن في: كيف نبني هذه المسؤولية؟ وكيف نتعامل معها؟ وكيف نجعلها تتمتع بالمرونة العالية لتحمل مثل هذه المسؤولية؟ بطبيعة الحال، من يختبر الفقد يستطيع أن يتعاطف مع الآخرين أكثر، ويستطيع مساعدتهم أكثر، ويكون أكثر إصراراً على بناء المجتمع والتقدم به قدماً، ولكن هذا له شروطه.
إن هذا الموضوع واسع جداً ويحتاج إلى البحث والتمحيص من خلال رؤية فلسفية ودينية أوسع. وأنا أكتفي بهذا القدر لنضيء على بعض المفاهيم التي نساهم في تبنيها بطريقة صحيحة تساعد على رفع المرونة والفهم الصحيح لكيفية تحويل الحرب وآثارها من نقطة ضعف وتهديد إلى فرصة للنهوض والاستمرار.
2- من الأمور التي نواجهها على صعيد الأسر وهي من المفاهيم التي يجب تشخيصها (وهو مفهوم ليس بالضرورة أن يكون موجوداً بالمعنى العلمي في الأسرة ولكن آثاره موجودة): الحذر من التصلب النفسي.
ما معنى التصلب النفسي؟ معناه أنه عندما نذهب إلى الأسر المكلومة لمواساتها، أو في تعاطينا مع الأبناء، لا نلحظ المرحلة العمرية التي يمر بها الطفل أو حالته النفسية، فنلجأ دائماً إلى التصلب النفسي؛ أي نطلب منه أن يتجاهل حزنه والمرحلة التي يمر بها، ونطلب منه أن يكون بطلاً وألا يبكي، وأن يكون قوياً أمام أمه مثلاً. مع العلم أن الشخص الكبير نفسه بحاجة إلى وقت ليمر بمسار الحداد والفقد والتعبير عن مشاعره، فالإنسان لا يعرف نقاط ضعفه إلا بعد تعرضه لمثل هذه الأمور، فلا نستطيع كبتها فتتفاعل في نفسه، بينما إذا أظهرها يمكننا إصلاحها عندئذٍ. إذن، يجب ألا نخلط بين أمرين: بين دعوة أفراد الأسرة المكلومة إلى الصبر، وبين إيهامهم بأن الصبر يعني إنكار المشاعر وعدم التعبير عن الحزن أو الاشتياق أو البكاء. وهذا - واقعاً ومن خلال التجربة - ينعكس سلباً على الولد في مراحل عمرية معينة، فيعاني لاحقاً من مشاكل تصبح أكثر تعقيداً مما كانت عليه في بداية الفقد. لذلك نحن نحتاج إلى أن يعبّر كل فرد من أفراد الأسرة عن مشاعره بالطريقة التي يراها مناسبة، ونحن نقوم بالإصلاح عبر مساعدته تدريجياً على فهم ما حدث والتعبير عنه بطريقة صحيحة رويداً رويداً، وهذا يتوافق مع مفهوم "السعة" في المنظومة الإسلامية: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: 286]. فيجب أن نلاحظ السعة الموجودة لدى هذا الطفل أو هذه الزوجة والحالة النفسية التي يعيشونها، وبناءً عليه نقوم بتوسيع هذه السعة بالتدريج، فالطاقة والسعة أمر تشكيكي (متدرج)، كلما انتقلنا فيه من مرحلة، أمكننا الانتقال إلى مرحلة أعلى.
3- من الأمور الملاحظة أيضاً، والتي إن لم نقم بها بطريقة صحيحة لن نرفع من مستوى الوعي لدى الأسرة: التحول من التعاطف إلى الشفقة المبالغ فيها. أي بدلاً من التضامن والتعاطف والتآزر مع الأسرة المكلومة، نقوم - من شدة حبنا وحرصنا - بشفقة مبالغ فيها وفي غير محلها.
وبحسب التجربة، لهذا الأمر أثران واضحان ينعكسان على الطفل:
أيضًا من الأمور التي يجب التنبه لها هي انقلاب الأدوار، فدائماً ما نسمع الأم أو من يحيط بالأسرة يطلبون من الطفل أن يصبح "رجل البيت" بعد فقد أبيه، وأن يكون قوياً، فيصبح يحاسب نفسه دون أن يحاسبه الآخرون بأنه لا يجب أن يخطئ أو يلعب أو يعبر عن مشاعره. وهذا له آثار خطيرة جداً؛ حتى إننا سمعنا من بعضهم يقول: "ماذا فعل بي أبي؟ بعد أن فقدته أصبحت مسؤولاً لدرجة أن الجميع توقع مني أن أكون نسخة عنه!" وهذا أمر غير مقبول، فلكل إنسان قابلياته وميوله ورغباته ومسيره الذي يبنيه بنفسه.
4- من الأمور أيضاً: التعامل بحكمة مع الأسئلة الغيبية والوجودية. فكثيراً ما تطالعنا هذه الأسئلة من الأطفال والناشئة: "لماذا أخذ الله أبي؟"، "لماذا ابتلانا نحن ولم يبتلِ غيرنا؟"، "أين أبي الآن؟ هل يسمعني؟ هل يعينني؟".
إن الإجابة عن هذه الأسئلة الوجودية بطريقة غير محسوبة قد تنعكس سلباً على الطفل، وبدلاً من أن تعينه على تثبيت العقيدة قد تزعزعها. إذ لا يمكن الإجابة عنها دون مراعاة المرحلة العمرية والحالة النفسية. فخلاصة القول: من المهم جداً ترسيخ فكرة لدى الطفل أو الزوجة بأنه لا يزال هناك تواصل بين الأسرة والشهيد، خصوصاً وأننا ننطلق من رؤية قرآنية: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَن يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ ۚ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَٰكِن لَّا تَشْعُرُونَ﴾ [البقرة: 154]. ولكن أريد الإضاءة على أنه يمكن طرح هذا الاستمرار والتواصل من خلال الدعاء، والصدقة، واستشعار أن الشهداء حاضرون وينظرون إلينا. أما ما يجب التنبيه عليه - بحسب ما لاحظناه - فهو المبالغة في استحضار الشهيد بشكل مادي. ونذكر هنا بعض الأمثلة: في بعض البيوت نلاحظ أن المنزل تحول إلى ما يشبه معرض الصور بمختلف الأشكال والألوان، أو تخصيص زاوية كاملة للشهيد. لا إشكال في الأصل، ولكن يجب مراعاة الفئة العمرية ومدى فهمهم؛ فقد اشتكت بعض الزوجات من أن الطفل بمجرد عودته من المدرسة يجلس في تلك الزاوية ليحضن الصور. فعندما نضع أربع أو خمس صور في كل أرجاء البيت، كيف سنخرجه من حالته ليتقبل الواقع؟ أو كأن يضع البعض صحناً للأب على مائدة الطعام لإشعار الأولاد بحضوره! كلا، يجب أن نتبع طرقاً أخرى تجعل الولد يستشعر حضور أبيه دون الإغراق والمبالغة في استحضاره بهذه الوسائل. إذن، المطلوب ليس محو حضور الشهيد ولا إبقاء الأسرة عالقة في لحظة الفقد، وإنما تحويل العلاقة من حضور جسدي مفقود إلى أثر حي في الذاكرة والقيم والسلوك.
5- وآخر مفهوم قبل الانتقال إلى المحورين الثاني والثالث بشكل موجز هو: مفهوم استئناف النمو والرشد. ففي عملنا، يجب أن ننتبه إلى أن الحرب والفقد هما عائق مؤقت أمام نمو الطفل أو المراهق وليس عائقاً دائمًا. هذا الطفل يمتلك قابليات وإمكانات وقدرات يستطيع الاستمرار من خلال تفعيلها. لقد تعرض لعائق، ودورنا هو العمل على إعادته لاستئناف النمو، ولا أقول إعادته إلى ما كان عليه قبل الحرب لأن هذا مستحيل ولعله غير مطلوب؛ فالحرب والفقد يجب أن يشكلا نقطة انطلاق وفرصة للحركة بدلاً من التهديد. ولكن كيف؟ من خلال إيماننا بأن له الحق في النمو والوصول إلى الرشد والكمال، ودورنا هو إزالة هذا العائق...
1- التكافل الاجتماعي والدعم النفسي المتبادل يكون موجود حيث تقوم الأسرة الممتدة (الأجداد، الأعمام، الأخوال) بدور الشبكة الآمنة والحاضنة التكافلية التي توفر الدعم النفسي والعاطفي للأسرة المكلومة عقب صدمة الفقد. ويسهم وجود الأسرة الممتدة في سد الفراغ العاطفي والاجتماعي الذي يتركه المفقود، مما يقلل من حدة العزلة والشعور بالضياع لدى الأطفال والزوجة. ولكن هند التدخل الكبير للأسرة الممتدة تضيع أسرة الشهيد مع كثرة التدخلات.
2- توزيع المسؤوليات وتخفيف الأعباء أمر ضروري، فالمساعدة في تحمل الأعباء اليومية والمعيشية أمر ضروري، مما يمنح الأمهات والأبناء المساحة والوقت الكافيين للتعافي النفسي دون الوقوع تحت ضغط التواكل أو تحمل مسؤوليات يفوق طاقتهم، ولكن ليس لحد التواكل.
تعليقات