الوطن والتربية الوطنية في الرؤية الإسلامية
تُعدّ مسألة الوطن من أكثر المفاهيم تعقيداً في الفكر الإسلامي المعاصر، لأنّها تقع عند تقاطع مستويين معرفيين مختلفين: مستوى الانتماء الديني-الحضاري الذي تشكّل ضمن مفهوم الأمة، ومستوى الدولة القومية الحديثة التي تبلورت في سياق التحولات الاستعمارية وما بعد الاستعمارية، بعد انهيار دولة الخلافة العثمانية، وتأكّد حدود وهوية الدولة في الغرب. وقد أدى هذا التقاطع إلى نشوء إشكالية مفاهيمية وتربوية تتعلق بتحديد طبيعة الانتماء، وحدود الولاء، وإمكان بناء وعي وطني لا يتعارض مع المرجعية الإسلامية ولا يذوب داخلها.. وكذلك مشروعية العقد الاجتماعي السياسي الحادث بعد ترسيم حدود الجغرافيا السياسية خصوصاً بعيد الحرب العالمية الأولى وكذلك الثانية.
إنّ حبّ الوطن ظاهرة فطرية مرتبطة بتجربة الإنسان الوجودية وذاكرته المكانية والاجتماعية. فالوطن في معناه الأول هو موضع الإقامة والنشأة ومجال تشكّل العلاقات والذكريات، وهو ما يجعل الانشداد إليه جزءاً من التكوين النفسي للإنسان. وقد أكّد الفكر الإسلامي هذا البعد من خلال النصوص التي تربط حب الوطن بالإيمان وبالكرامة الإنسانية، حيث يُعدّ التعلق بالأرض تعبيراً عن الوفاء للذاكرة والهوية وتجربة العيش المشتركة.
غير أنّ الرؤية الإسلامية لا تحصر مفهوم الوطن في هذا البعد الجغرافي، إذ تتسع الدائرة لتشمل الانتماء العقيدي للأمة الإسلامية باعتبارها إطاراً حضارياً جامعاً. فالأمة تمثل وحدة مرجعية تتجاوز الحدود السياسية وتمنح المسلم شعوراً بالانتماء إلى فضاء حضاري واسع، وهو ما جعل الحركة التاريخية للمسلمين تتسم بدرجة عالية من السيولة المكانية قبل نشوء الدولة الحديثة.
إن هذا التعدد في دوائر الانتماء يؤدي إلى تركيب مفهوم الوطن داخل الوعي الإسلامي: وطن فطري مرتبط بالمكان، وطن سياسي مرتبط بالدولة القائمة، ووطن حضاري يتمثل في الأمة. ومن هنا تبدأ الإشكالية.
لقد نشأ مفهوم الوطن بصيغته القانونية الحديثة ضمن سياق الدولة القومية التي تبلورت بعد الاستعمار، حيث ارتبطت المواطنة بالجنسية، والحقوق بالحدود السياسية، والانتماء بالسيادة القانونية للدولة. وتشير الدراسات السياسية إلى أنّ مفهوم المواطنة بوصفه انتماءً قانونياً هو مفهوم وافد ارتبط بالدولة الحديثة ومؤسساتها القانونية والإدارية.
وأما في السياق العربي والإسلامي، لم يكن تشكّل الدولة الوطنية نتاج تطور داخلي طبيعي فحسب، بل ارتبط أيضاً بعمليات التفكيك الاستعماري وإعادة رسم الحدود السياسية، الأمر الذي أدى إلى بروز كيانات قطرية ضيقة حلّت محل الفضاء الحضاري الواسع. وقد نتج عن ذلك توتر بين الانتماء الديني العابر للحدود والانتماء الوطني المحدد بالقانون والدولة.
تتمثل المشكلة الأساسية هنا في أنّ الدولة ما بعد الكولونيالية لا تكتفي بإدارة المجال السياسي، بل تسعى إلى إنتاج هوية وطنية حصرية ترتبط بالحدود والسيادة والولاء السياسي، ما يخلق احتكاكاً مع التصور الإسلامي الذي يحتفظ ببنية انتماء متعددة المستويات.
لا يتجه الفكر الإسلامي المعاصر إلى رفض مفهوم الوطن أو الدولة الوطنية بصورة مطلقة، إذ يبرز اتجاه اجتهادي يسعى إلى التوفيق بين الانتماء الديني والانتماء الوطني. فالتدين الصحيح، وفق هذا الاتجاه، يعزز حب الوطن وخدمته والدفاع عنه ويحوّل الانتماء الوطني إلى مسؤولية أخلاقية واجتماعية.
هذا التوجه ينطلق من إدراك واقعي مفاده أنّ الإنسان يعيش داخل كيان سياسي محدد ترتبط به مصالحه وحقوقه ومستقبله، وأنّ تجاهل هذا الكيان يفضي إلى فراغ أخلاقي وسياسي. لذلك يتم التعامل مع الدولة الوطنية بوصفها إطاراً عملياً لتنظيم الحياة المشتركة، مع الاحتفاظ بالأفق الحضاري للأمة كمرجعية قيمية...
من جهة أخرى، يؤكد الفكر السياسي الإسلامي على ضرورة وجود السلطة السياسية لتحقيق العدالة وتطبيق القيم، وهو ما يفتح المجال لفهم الدولة باعتبارها أداة تنظيمية وليست مصدراً نهائياً للهوية.
فيما يتعلق بالتربية الوطنية في المجتمعات الإسلامية، يواجه المتعلم والمتربي خطابين متوازيين: خطاب ديني يؤكد وحدة الأمة، وخطاب مدرسي-قانوني يرسخ حدود الدولة القومية. وفي غياب معالجة نقدية، قد يؤدي هذا التوازي إلى أحد مسارين متطرفين: ذوبان الانتماء الوطني في الخطاب الديني، أو انفصال الهوية الدينية عن المجال الوطني. لذلك تتطلب التربية الوطنية معالجة معرفية عميقة تعيد بناء العلاقة بين المستويين.
فهل يمكن بناء تربية وطنية واعية من خلال إعادة صياغة مفهوم الانتماء بصورة تركيبية لا تختزل الهوية في بعد واحد؟ حيث لا يقدم الوطن بوصفه الإطار الوحيد الذي يعرّف الإنسان، وإنما يُدرج ضمن شبكة من دوائر الانتماء المتداخلة التي تبدأ بالأسرة وتمتد إلى المجتمع المحلي، ثم الدولة، فالأمة، وصولاً إلى البعد الإنساني الأوسع. هذا التصور يحرر الوعي التربوي من ثنائية مغلقة بين الانتماء الديني والانتماء الوطني، ويمنح المتعلم قدرة على إدراك نفسه ككائن يعيش في مستويات متعددة من الارتباط والمسؤولية، دون أن يشعر بتناقض داخلي بينها.
ومن العناصر الأساسية في هذا البناء إعادة تعريف المواطنة بوصفها قيمة أخلاقية متجذرة في المرجعية الدينية. فحقوق المواطنة لا تُقدَّم باعتبارها مفهوماً قانونياً مجرداً، وإنما تُربط بمقاصد الشريعة وقيم العدالة والكرامة والتكافل الاجتماعي. عندئذ يتحول الانتماء الوطني إلى امتداد أخلاقي للالتزام الديني، وتصبح حماية الوطن ورعاية مصالحه جزءاً من أداء الأمانة التي يتحملها الإنسان في المجتمع.
كما أن بناء تربية وطنية راسخة يتطلب إدماج وعي تاريخي نقدي يشرح للطلاب كيفية تشكّل الدولة الوطنية، والظروف السياسية والاستعمارية التي أسهمت في رسم حدودها، والتحولات التي رافقت نشوء مفهوم المواطنة الحديث. هذا الوعي لا يهدف إلى إضعاف الانتماء أو إثارة الشك في شرعية الدولة، وإنما يسعى إلى تحريره من السذاجة، بحيث يتحول إلى انتماء واعٍ يدرك سياقه التاريخي وحدوده، ويستطيع تطويره أخلاقياً وسياسياً.
ولا يكتمل هذا التصور من دون ترسيخ فكرة المسؤولية المشتركة. فالتربية الوطنية مطالبة بتعزيز ثقافة المشاركة في إدارة الشأن العام، وتشجيع ممارسة النصيحة والمساءلة والعمل من أجل الصالح العام ضمن الأطر المشروعة. إن إشعار الفرد بأن له دوراً في توجيه مجتمعه وصيانة مؤسساته يرسخ لديه إحساساً عميقاً بالانتماء والمسؤولية، ويمنع تحول الوطنية إلى خضوع سلبي أو تبعية عمياء.
في ضوء ذلك، تتجسد إشكالية الوطن في الفكر الإسلامي في التوتر القائم بين الانتماء الحضاري العابر للحدود والانتماء القانوني الذي كرسته الدولة ما بعد الكولونيالية. هذا التوتر لا يستدعي إلغاء أحد البعدين، وإنما يفرض إعادة صياغة العلاقة بينهما ضمن رؤية مركبة تستوعب الواقع السياسي وتحافظ على الأفق القيمي للأمة. ومن هنا تغدو التربية الوطنية المجال الأكثر حساسية لمعالجة هذه الإشكالية، إذ يتحدد عبرها شكل الهوية المستقبلية وقدرتها على التوفيق بين الولاء الوطني والانتماء الحضاري في إطار متوازن يقي من الصراع ويمنع الذوبان.
سنتجه في مداخلتنا إلى مفهوم الوطن، ثم مفهوم المواطنة في الفكر الإسلامي. وسنعتمد منهجية البحث عن آراء العلماء حول اصطلاحات الوطن والمواطنة عند أقطاب الفكر العربي والإسلامي، حتى نُظهر تكوّن هذا المفهوم. لأن مفهوم الوطن، كمفهومٍ، من المفترض عندما نريد أن نؤصل أي مفهوم أن نذهب إلى اصطلاحات المفكرين الأساسيين، وخاصة في الفكر الإسلامي، وأن نرجع إلى العلماء الذين تحدثوا أو ذكروا مصطلح الوطن أو المواطنة.
إذًا منهجية البحث ستكون حول مصطلح الوطن ومدى ذكره، ثم مصطلح المواطنة، وكيف يمكن لهذا المصطلح أو هذا المفهوم المتداول بشكل كبير جدًا، والذي دخل إلى الساحة التربوية بقوة عبر كتاب التربية المدنية وغيرها، أن يكون موجودًا في المصطلحات العربية.
أولًا، الوطن كما نعلم مصطلحٌ حديث، ولكنه قديم دلالةً واشتقاقًا، لأنه المنزل الذي يقيم فيه الإنسان، وموطن الإنسان ومحله. فيقال: أوطن أي أقام، وأوطنه أي اتخذه وطنًا.
وعادةً في الفكر الإسلامي نجد ثلاثة مصطلحات قريبة من هذا المعنى: الوطن، والملة، والأمة. وهذه المصطلحات اختلطت فيما بينها، فإذا رجعنا إلى آراء العلماء السابقين ونظرنا كيف استخدموا هذه المصطلحات بين الملة والأمة والوطن، وبين المصطلحات الأخرى كدار الإسلام وغيرها، لا نجد أن هناك فهمًا ثابتًا للمصطلح. فلم يكن هناك تأصيل واضح للمصطلح قبل استعماله، وإنما نراه يُستعمل أحيانًا أحد هذه المصطلحات وكأنها في المعنى نفسه وفي السياق نفسه، وقد اختلطت هذه المصطلحات بطبيعة الحال بمفهوم الوطن في النظام السياسي، فتماهت مع الدولة ومع الأمة في كثير من المصطلحات المتداولة.
ويقول أستاذنا الدكتور سميح دغيم، الذي تحدث عن مصطلح الوطن في عدة مراجع وكتب، إن مصطلح الوطن اختلط لأسباب متعددة؛ أولها أن هذا المصطلح يُشعر الإنسان بالانتماء إلى الوطن العام، وهو وطن جميع المسلمين أو الأمة، وإلى الوطن الفعلي المعترف به دوليًا، وإلى الوطن المثالي الذي تنشده النفوس. ولذلك تحدث عن ثلاث درجات من اعتقاد المشرقيين أو المسلمين في موضوع الوطن: بين الوطن النفسي، إن صح التعبير، والوطن المعترف به دوليًا، والوطن الذي يشعر الإنسان بالانتماء إليه في إطار أوسع من ذلك.
لكن بشكل عام، إذا رجعنا إلى هذا المصطلح في بداية تكوّن النهضة الإسلامية أو في صدر الإسلام، نجد أن هناك كثيرًا من الروايات التي لم أشأ ذكرها الآن حول موضوع حب الوطن، أو الذود عنه، أو العيش فيه بكرامة، أو موضوع الغنى في الوطن غربة، أو الفقر في الوطن غربة، وغيرها. فقد تمّ استخدام مصطلح الوطن في السياق الإسلامي في صدر الإسلام عند مجموعةٍ من الأئمة سلام الله عليهم، وحتى عند رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ـ مع أنني لم أذكر ذلك تفصيلًا ـ فإن ما يهمنا هو أن هذا المصطلح كمصطلحٍ، لم يكن غريبًا عن الثقافة الإسلامية، وقد ورد في لسان الشارع. لكن بعد ذلك، وخاصة في السياق السياسي، وبعد أن بدأت الخلافة الإسلامية على مستواها السياسي، أُهمل هذا المصطلح إهمالًا كبيرًا، واستُبدل بمصطلحاتٍ أخرى مثل مصطلح الخلافة ومصطلح الأمة، وكان لمصطلح الأمة وكذلك لمصطلح الخلافة حضورٌ ودورٌ كبيران في التداول. ويمكن القول فعليًا إنه منذ زمن الخلافة العباسية، وقبلها الأموية، وحتى القرن التاسع عشر، كان هناك مدٌّ وجزرٌ في استخدام مصطلح الوطن؛ فبعضهم كان يستعمله ويتماهى معه بمعنى القرية الصغيرة التي يقيم فيها، وبعضهم كان يستعمله بمعنى الأمة، وآخرون كانوا يستعملونه بمعنى دار الإسلام.
ولكن هل كان هناك تحديدٌ واضحٌ للمصطلح كما نعرفه اليوم؟ في الحقيقة، في بدايات الرسائل والجمعيات الفكرية لم يكن هناك تحديدٌ دقيقٌ لهذا المصطلح، بل كان هذا الأمر يُهمَل غالبًا. ثم بدأت إرهاصات استعماله بشكلٍ أوسع في القرن التاسع عشر، فبدأنا نسمع بمصطلح الوطنية، ثم بعد ذلك ظهر مصطلح المواطنة الذي شاع استعماله بصورةٍ كبيرة. والمسلمون عادةً ـ وخاصة إذا قرأنا تاريخ مصطلح الوطن قراءةً تاريخية ـ تعرّفوا إلى مصطلح الوطن من خلال السياق الفرنسي، إلا أن هذا المصطلح لم يُستخدم على نطاقٍ واسع، حتى في فترة الاستعمار الفرنسي، إلا في النصف الثاني من القرن التاسع عشر. وقد ورد هذا المصطلح أيضًا في زمن الخلافة العثمانية في موضعٍ محدد، وذلك سنة 1839 م. ونحن هنا نتحدث عن نصوصٍ موجودة، أي نصوصٍ وردت في الوثائق والتراث الإداري للسلطة العثمانية، وليس مجرد خطابٍ منقولٍ في كتابٍ أو محاضرة. فقد ورد هذا المصطلح في موضعين سنة 1839 م تحديدًا. الأول في الفرمان الذي تحدّث عن الإنسان العثماني: من هو الإنسان العثماني؟ فيقول إنه الذي تتزايد غيرته يومًا بعد يومٍ على دولته وملته ومحبته لوطنه. ولاحظوا هنا اجتماع ثلاثة تعبيرات: ملته، دولته، وطنه. فما الفرق بينها؟ في الغالب، في هذا السياق لا يظهر فرقٌ واضح، وحتى لو حاولنا اليوم البحث عن فارقٍ بين المقصود بمحبة الوطن والمقصود بالملة، لا نجد تعريفًا دقيقًا لهذه المصطلحات. أما الاستعمال الثاني فجاء في سياق الحديث عن مهمة العسكر في السلطنة العثمانية، حيث نُصَّ على أن من مهامهم المحافظة على الوطن. ثم في النصف الثاني من القرن التاسع عشر استُخدمت النسبة إلى الوطن، أي بدأت تظهر كلمة «وطني». وهنا تعرفون أنه عندما بدأت الحركات الوطنية بالظهور بشكلٍ واسع، صار الانتساب إلى الوطن يعبَّر عنه بلفظ «وطني»، ولم يعد الانتساب يُعبَّر عنه بقولنا مثلًا: أمتي أو خلافتي، خاصة عندما كان يُساق هذا المصطلح في مواجهة الأجنبي أو الغريب غير العثماني، وخصوصًا في بلاد الشام وفي مصر.
فلو نظرنا مثلًا إلى بطرس البستاني، الذي أسّس ما سُمِّي بالمدرسة الوطنية سنة 1863 م، وهي الفترة التي تأسست فيها الإرساليات، ومنها الجامعة الأمريكية في بيروت، ثم بعد ذلك بعشرين سنة تقريبًا جامعة القديس يوسف، نجده سمّى مشروعه «المدرسة الوطنية». والمقصود بالوطن هنا لم يكن الوطن اللبناني بالمعنى السياسي المتأخر، ولا متصرفية جبل لبنان، وإنما كان المقصود به إطارًا أوسع، أي البيئة العربية ـ العثمانية في مقابل الإرساليات الأجنبية الموجودة آنذاك. وهكذا بدأ يظهر استعمالٌ أوسع لمصطلح الوطن.
وبعد الثورة العربية، ومع تصاعد الإحساس القوي بالانتماء، كثر الحديث عن حب الأوطان والغيرة الوطنية، حتى إن العرابيين سمّوا أنفسهم «الوطنيين». وإذا رجعنا إلى نصوص رفاعة الطهطاوي سنة 1872 م، أو إلى نصوص البستاني وأديب إسحاق سنة 1885 م، نجد أنه في هذه المرحلة صار مصطلح «الوطني» هو المصطلح المتداول. لكن مع ذلك بقي هذا المصطلح قريبًا في دلالته من مصطلحات الملة ودار الإسلام، ولم يُستخدم بمعناه الحديث الذي يرتبط بحدود الدولة الوطنية التي تشكّلت بعد الحرب العالمية الثانية.
هذا هو بشكلٍ عام، التطور التاريخي لمصطلح الوطن. لكن ما يهمنا قبل أن نصل إلى التحديد الذي يُعدّ مقدمةً أساسيةً لما سيطرحه فضيلة الشيخ الدكتور محمد النمر، هو مصطلح المواطنة الذي استُخدم بعد مصطلح الوطن. ففي الفكر الإسلامي لا نجد ـ أو لا نكاد نجد ـ ذكرًا لمصطلح المواطن في نصوص العرب والمسلمين. ولذلك ذهب بعض المستشرقين، بعد استقراء كثيرٍ من النصوص الإسلامية، إلى القول إن مصطلح المواطنة مصطلحٌ غريبٌ تمامًا عن الإسلام. وحتى محمد أركون عندما بحث في مفهوم الجماعة الإسلامية أو الجماعة السياسية في الإسلام قال إنه لم يجد محاولةً واضحةً لتطوير مصطلح المواطنة حتى في السياقات الإسلامية المتأخرة.
وفي المقابل نجد استعمال مصطلحاتٍ أخرى مثل «المدني» أو «المدنية» أو «السياسة المدنية» أو «المدينة الفاضلة»، وهي مصطلحات تأثرت بالفلسفة اليونانية، لكن مصطلح المواطنة نفسه لم يكن له حضورٌ واضح بحدوده المعاصرة. ومع التطور التاريخي صار هذا المصطلح أكثر حضورًا، لكن يمكن القول إن الحدود الدقيقة لمفهوم المواطنة كما ظهرت في السياق الفرنسي أو في السياق الدولي الحديث لم تُستخدم قط بهذا المعنى في السياق الإسلامي التقليدي.
ولذلك عندما حاول بعض المفكرين، خاصة في مرحلة بناء الدولة الوطنية، أن يؤصلوا مصطلح المواطنة تأصيلًا إسلاميًا، بحثوا عن جذوره التاريخية في التجربة الإسلامية. فذهب بعضهم إلى القول إن جذوره تعود إلى القبائل العربية، حيث كانت القبائل تحتاج إلى التماسك والتساند فيما بينها. وذهب بعضهم أبعد من ذلك، فقال إن مملكة سبأ يمكن أن تُعدّ نموذجًا مبكرًا، مستدلين بقول ملكة سبأ: "مَا كُنتُ قَاطِعَةً أَمرًا حَتَّى تَشهَدُون"، واعتبروا أن هذا يعكس نوعًا من المشاركة السياسية.
وذهب فريقٌ آخر إلى حلف الفضول، وهو الحلف الذي تعاهدت فيه بعض القبائل في مكة على نصرة المظلوم والتعاون فيما بينها، وقد حضره النبي صلى الله عليه وآله وسلم قبل البعثة وأثنى عليه. بينما رأى آخرون أن النموذج الأقرب هو وثيقة المدينة التي نظمت العلاقة بين المسلمين وأهل الكتاب، حيث تضمنت بعض المبادئ مثل التعاون والتنظيم المشترك للمجتمع.
لكن هناك رأيًا آخر ـ وهو رأي طرحه بعض المستشرقين وله قدرٌ من الاعتبار من جهة التحليل التاريخي ـ يرى أن المثال الأقرب هو صلح الحديبية، لأنه اتفاقٌ بين المسلمين والمشركين، لا بين المسلمين وأهل الكتاب، إذ إن العلاقة مع أهل الكتاب كانت تتضمن قدرًا من القرب الديني، بينما كان الصلح مع المشركين اتفاقًا مع طرفٍ لا يجمعه بالإسلام إطارٌ عقدي مشترك. ويستدل هؤلاء بأن نص الصلح لم يذكر الصفة الدينية للنبي صلى الله عليه وآله وسلم في بعض المواضع، مما يدل ـ بحسب تفسيرهم ـ على أنه كان اتفاقًا سياسيًا بين جماعتين لتحقيق مصالح عامة.
لكن هذا الرأي يواجه إشكالًا واضحًا، لأن صلح الحديبية كان قبل فتح مكة وقبل نزول سورة التوبة التي نظمت العلاقة مع المشركين تنظيمًا مختلفًا، ولذلك فإن اعتبار صلح الحديبية أساسًا لمفهوم المواطنة بالمعنى الحديث ليس رأيًا سديدًا. ولعل الأقرب إلى الصواب أن كل هذه النماذج، سواء حلف الفضول أو وثيقة المدينة أو صلح الحديبية، كانت استجاباتٍ لظروف زمانية ومكانية معينة، فرضها الواقع والصراع القائم آنذاك، ولم يكن في ذهن من صاغها أو شارك فيها مفهوم «المواطنة» بمعناه النظري الحديث.
ومن هنا يمكن القول إن فكرة المواطنة في أصلها مختلفةٌ إلى حدٍّ كبيرٍ عن تلك النماذج التاريخية، ولذلك إذا أردنا أن نبحث فعلًا فيما إذا كانت فكرة المواطنة فكرةً إسلامية أو غير إسلامية، أو لها جذورٌ إسلامية أم لا، فعلينا أولًا أن نحدد مجموعةً من المقدمات الأساسية. ففكرة المواطن هي في الحقيقة ثمرةٌ لمقدماتٍ وشروطٍ سابقة، ومن أهمها مسألة التعددية الدينية: هل جرى تأصيلها والاعتراف بها أم لا؟ وكيف يمكن أن تتوافق المواطنة مع الانتماءات الدينية إذا لم نقل أصلًا بالتعددية الدينية؟
ولذلك قبل أن نحاول تأصيل فكرة المواطنة، ينبغي أن نسأل: ما هو موقف الدين من التعددية الدينية؟ ومن هذه النقطة يمكن الانطلاق إلى فكرة المواطنة. ثم تأتي مسألة أخرى أساسية، وهي صيغة الحكم: هل نتبنى صيغة الحكم على أساس الشورى، أم على أساس الولاية المطلقة التي تنتقل بطريقة معينة؟ فإذا لم يُحسم هذا الأمر، يصبح من الصعب الانتقال إلى الحديث عن المواطنة، لأن المواطنة في نهاية المطاف هي ثمرةٌ لهذه المقدمات. وثالثًا ما هي حدود وواجبات المسلم في وطنه؟ فإذا لم يُحدَّد هذا الأمر، فلا يمكن الانتقال إلى الحديث عن المواطنة. ولذلك يمكن أن نقول، في خلاصة هذا الموضوع، إن فكرة المواطنة ـ بغضّ النظر عن جذورها ـ تحتاج إلى تدقيق. فنحن نجد في كثيرٍ من المفاهيم محاولاتٍ لإرجاعها إلى جذورٍ قديمة؛ فمثلًا إذا ذهبنا إلى العلوم الاجتماعية نجد أن علم الاجتماع، وعلم النفس، والاقتصاد، وحتى كثيرًا من العلوم، لها جذور في المصطلحات الفلسفية اليونانية، بطبيعة الحال لأن الفلاسفة تحدثوا عن موضوعاتٍ كثيرةٍ تتعلق بالإنسان والمجتمع. لكن هذا لا يعني بالضرورة أن هذه العلوم كانت موجودة بصورتها المعاصرة آنذاك. وكذلك الأمر في فكرة المواطنة؛ فلا يمكن تأصيلها تأصيلًا دقيقًا إلا بعد حسم كثيرٍ من القضايا السابقة، وعندئذٍ تكون المواطنة ثمرةً لهذه القضايا.
وسأنتقل هنا إلى تحديدٍ أكثر لمصطلح الوطن من خلال دراسة حالة، وهي حالة مدرسة أهل البيت سلام الله عليهم. فإذا رجعنا إلى استعمال مصطلح الوطن في هذه المدرسة، فنحن نتحدث عن فترةٍ زمنيةٍ لا تقل عن ألف سنة. وقد حاولتُ استقراء بعض كتب المؤسسين الأساسيين للفقه الشيعي، لأرى كيف استُعمل مصطلح الوطن في ذلك الوقت. فإذا رجعنا إلى كبار المؤسسين، مثل الشيخ الصدوق، والشيخ المفيد، والشيخ الطوسي، وغيرهم، نجد أنه لم يكن هناك تعريفٌ محددٌ لمصطلح الوطن. بل كانت تُستعمل مجموعةٌ من المصطلحات القريبة، مثل: الدار، والأهل، والأرض، والملة. ولم يكن مصطلح الوطن نفسه حاضرًا بكثرةٍ في تلك النصوص.
إذا ذهبنا إلى الشيخ الطوسي في استخدامه لمصطلح الوطن، نجد أنه قد ورد ـ بحسب الاستقراء ـ في كتابه «الخلاف» أربع مرات فقط. ونحن هنا نتحدث عن الشيخ الطوسي الذي عاش قبل ما يقارب ألف سنة من الآن، ومع ذلك لم يُذكر المصطلح في هذا الكتاب إلا أربع مرات. ومن المواضع التي ذكر فيها هذا المصطلح قوله، في سياق الحديث عن أحكام السفر: «ولأن السفر لا يجوز فيه الصيام عندنا، فلم يبقَ إلا إرادة الرجوع إلى الوطن»، أي في سياق حكم المسافر. وبشكل عام، فإن الشيخ الطوسي لم يذكر المصطلح إلا في مثل هذه السياقات. أما في كتابه «المبسوط»، فقد ورد مصطلح الوطن إحدى عشرة مرة فقط. ومع ذلك، فإن الشيخ الطوسي نفسه استخدم مصطلحاتٍ قريبة أكثر بكثير من ذلك؛ فمثلًا استعمل مصطلح «الأهل» أربعًا وثلاثين مرة، ومصطلح «الدار» تسع عشرة مرة. وفي كتاب «المقنعة» نجد أنه يستخدم كلمة «الأهل» ثمانيًا وأربعين مرة، في مقابل أربع مرات فقط لمصطلح الوطن. وهذا يدل على أن المصطلح لم يكن حاضرًا حضورًا قويًا بالقدر الذي قد نتوقعه أو نأمله اليوم.
وإذا ذهبنا إلى الشيخ المفيد، وهو من كبار علماء الإمامية الذين أسسوا كثيرًا من القضايا العقدية والفقهية في مدرسة أهل البيت عليهم السلام، نجد أنه استخدم مصطلح الوطن خمس مرات فقط في كتاب «المقنعة»، بينما استخدم مصطلح «الأهل» ثمانيًا وأربعين مرة، ومصطلح «الدار» ثماني مرات.
ثم إذا انتقلنا إلى مرحلةٍ لاحقة، عند العلامة الحلي، نجد أنه استخدم مصطلح الوطن أربع عشرة مرة، في مقابل استعمال مصطلح «الأهل» أربعمائةٍ وست عشرة مرة. وهنا يظهر بوضوح أن المصطلحات الأخرى كانت أكثر حضورًا في النص الفقهي من مصطلح الوطن.
واللافت أنه بعد ما يقارب ألف سنة، إذا ذهبنا إلى كتاب «العروة الوثقى» للسيد اليزدي قدس الله سره، وهو من علماء النصف الأول من القرن العشرين، نجد أن مصطلح الوطن استُخدم سبعًا وثلاثين مرة، بينما ورد مصطلح «المصر» ثمانيًا وخمسين مرة. وهذا يدل على أن المصطلح ظل يتمتع بقدرٍ كبيرٍ من المرونة في الاستعمال.
والخلاصة التي يمكن أن نذكرها هي أن مصطلح الوطن كان مصطلحًا يتمتع بدرجةٍ كبيرةٍ من المرونة، وهذه المرونة تؤكد عدم وجود تحديدٍ دقيقٍ لهذا المفهوم أو تأصيلٍ واضحٍ له في التراث الفقهي القديم، كما تؤكد أنه لم يكن حاضرًا بالمعنى نفسه الذي يُستعمل فيه اليوم، خاصة في سياق الدولة الحديثة وما يرتبط بها من مفاهيم مثل المواطنة وغيرها.
وإذا انتقلنا بعد ذلك إلى فكرة المواطنة عند فقهاء الشيعة، فنحن هنا نتحدث عن المواطنة لا كمجرد لفظ، بل كمفهومٍ بالمعنى الغربي الحديث، أي ذلك المفهوم الذي تأسس في المواثيق الدولية، مثل ميثاق الأمم المتحدة، وفي الأسس التي قامت عليها الدول الحديثة.
فكيف يمكن لنا أن نتحدث عن المواطنة في الفكر الإسلامي؟ هذا هو العنوان الذي نتحدث فيه. فإذا رجعنا مثلًا إلى باب الدفاع في الفقه، نجد أن الأحكام الشرعية لا خصوصية فيها للوطن بمعناه الجغرافي المحدد. فإذا نظرنا إلى ما ذكره علماء مدرسة أهل البيت عليهم السلام ـ وكذلك في المدارس الإسلامية الأخرى، وإن كانت دراسة الحالة هنا تقتضي الاقتصار على هذه المدرسة ـ نجد أن التعبير الغالب ليس الدفاع عن الوطن، وإنما الدفاع عن بيضة الإسلام، وعن حوزة الإسلام، وعن أمة الإسلام.
فمثلًا يقول السيد الخوئي قدس الله سره: "يجب على كل مسلم الدفاع عن الدين الإسلامي إذا كان في معرض الخطر، ولا يعتبر في ذلك إذن الإمام" ولا خلاف في المسألة. وهذا المصطلح، بطبيعة الحال، من مصطلحات الدفاع التي تتجاوز حدود الوطن الجغرافية. وكذلك نجد أن السيد الإمام يذكر أنه "لو وقع على إحدى الدول الإسلامية هجومٌ من الأعداء، فيجب على جميع الدول الإسلامية الدفاع عنها". وبالتالي لا نجد في هذه النصوص تركيزًا على حدودٍ جغرافيةٍ معينة يجب على الإنسان أن لا يتجاوزها أو أن ينحصر ضمنها، بل إن الخطاب يتجه إلى الأمة الإسلامية بوصفها إطارًا أوسع.
وإذا ذهبنا أيضًا إلى بعض النصوص المتعلقة بفكرة المواطنة، لا نجد حضورًا واضحًا لهذا المصطلح. ومن اللافت هنا أن كثيرًا من فقهاء الشيعة، على الرغم من انتقالهم إلى حواضر علمية كبرى، ظلوا يحتفظون بالانتساب إلى أوطانهم الأصلية. فمثلًا نجد أن السيد الخوئي، مع أن والده انتقل واستوطن النجف الأشرف، بقي يُنسب إلى موطنه الأصلي. وكذلك نجد ألقابًا مثل العاملي أو الأصفهاني وغيرها، وهي تشير إلى أوطانٍ أو مناطق الأصل. ومع ذلك، فإن هذا الانتساب لا يعني وجود مفهومٍ واضحٍ للمواطنة بالمعنى الحديث.
وعندما نرجع إلى بعض المجالات الفقهية، مثل الأحكام القضائية، لا نجد أيضًا حضورًا لمفهوم المواطنة بمعناه المعاصر. فكيف يمكن أن نتحدث عن مصطلح المواطنة، في حين أن بعض الأحكام القضائية لا تقوم على مبدأ المساواة التامة بين الأديان، في حين أن مفهوم المواطنة في الفكر السياسي الحديث يفترض المساواة الكاملة في الحقوق، سواء في الإرث أو في القضاء أو في تطبيق الأحكام وغيرها من المجالات؟
ولهذا يمكن أن نقول، باختصار، إن هذا المصطلح ـ أي مصطلح المواطنة ـ صحيح أنه قد نجد له بعض الألفاظ أو الإشارات في التراث الإسلامي، لكنه ليس هو المصطلح نفسه بالمعنى الذي يُستعمل فيه اليوم. فالمواطنة بمعناها الدقيق كما تُطرح في المواثيق الدولية، وفي ميثاق الأمم المتحدة، وفي الدول المعاصرة، تختلف عن الإطار المفاهيمي الذي كان حاضرًا في التراث الإسلامي.
ومن هنا يمكن القول إن لكل مصطلحٍ أو مفهومٍ سياقًا اجتماعيًا وسياسيًا أسهم في نشأته وتطوره. ومفهوم المواطنة المتداول اليوم هو مفهوم نشأ في سياقٍ تاريخيٍ خاص، مرتبطٍ بالصراعات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية في الغرب، وتكوَّن في إطار هذا التطور التاريخي. ولذلك فهو مفهوم قابلٌ أيضًا للتغير أو حتى للتفكك تبعًا لتحولات تلك السياقات.
ولهذا فإن البحث في مصطلح المواطنة، أو محاولة إسقاطه مباشرةً على التراث الإسلامي، يحتاج إلى قدرٍ كبيرٍ من الدقة. لأن هذا المفهوم يرتبط اليوم أيضًا بالنظام التربوي وبالأحكام التربوية وبالمنهج التربوي الذي يشكل أساس الانطلاق في بناء المجتمع. وقبل الحديث عن المواطنة نفسها، لا بد من معالجة مجموعةٍ من المقدمات، مثل مسألة التعددية الدينية، والحوار مع الآخر، وأحكام القضاء، وغيرها من القضايا التي تشكل الأساس الذي يمكن أن تُبنى عليه فكرة المواطنة.
تهدف التربية الوطنية إلى تنمية الشعور بالانتماء والولاء لدى المتربين تجاه وطنهم وتعزيز حبهم له والاعتزاز به والعمل على النهوض به والدفاع عنه. فهي عملية تربوية وتعليمية تسعى إلى تزويد المتربين بفهم إيجابي وواقعي للنظام السياسي لدولتهم، وتعليمهم القيم والمبادئ والمفاهيم الضرورية للحياة الفعالة في المجتمع. ولتساعدهم على أن يكونوا صالحين قادرين على المشاركة النشطة في كافة قضايا الوطن ومشكلاته.
ومن أسس التربية الوطنية نذكر: الانتماء – الولاء – المساواة- المشاركة في الحكم – الحرية – الحقوق والواجبات.
إنّ تصرف الانسان في إطار دين الإسلام يدعوه إلى الالتزام بمبادئ الايمان والتقوى والتوحيد والكرامة والحقوق والواجبات والتعاليم الحسنة والعيش في وفاق وانسجام وهذا يأتي بفضل قيم ومعايير إسلامية موحدة توجه الفرد وتؤهله إلى تلك المنزلة الرفيعة التي خلق ليعبد ربه سبحانه وتعالى الذي استخلفه في الأرض. لذا تستمد التربية الوطنية الإسلامية توجهاتها وفلسفتها وغاياتها من الشريعة الإسلامية.
والتربية الوطنية من وجهة نظر الإسلام تهـتم بتوعية المواطن المسلم بحقوقه وواجباته تجاه الاخرين وتبصيره بحدود وطبيعة علاقته معهم والقائمة على أساس حب الوطن والانتماء إليه والتضحية من أجله والدفاع عنه والحفاظ عليه.
إن التربية الوطنية في الإسلام تهتم بتنمية اسس التعاون والمشاركة وعدم الاضرار بالغير، او التعدي عليه او على ممتلكاته، حتى يصبحوا كالجسد الواحد كما ورد في حديث الرسول ص الشريف "مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم كالجسد الواحد اذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى".
لقد اعتنى الإسلام بشروط ومبادىء الوطنية الكاملة بصورة واضحة، شملت الحقوق والواجبات لكل من المواطن والمجتمع والدولة، حيث تم تأكيد المحافظة عليها، وحرم الاعتداء عليها في ضوء الأدلة العقلية والنقلية وقد أكدّ الإسلام على كرامة الإنسان من خلال تقديس حقوقه.
تقوم الرؤية الإسلامية على أنّ الأمّة جماعة متوحدة فكريًا وسلوكيًا، والأمة تستدعي الانتماء حيث تؤكد الآيات الكريمة أنّ العلاقة بين أبناء الوطن الواحد قائمة على قيم التعاون والعدل والتناصح وحب الخير للآخرين وكل سلوك يرضي الله تعالى.
1- اكساب المتربي مبادئ الوطنية الفاعلة ، حتى يتمكن من المشاركة والإسهام الجاد في خدمة مجتمعه وأمته الإسلامية.
2- تبصير المتربي بالمفهوم الإيجابي للوطنية المنطلقة من التصور الإسلامي، بعيـداً عـن المفاهيم الجاهلية القائمة على العصبية، أو الطائفية، أو المفاهيم العلمانية.
3- تعزيز مفهوم الانتماء الصادق للوطن لدى المتربي بما لا يتنـاقض مـع ولاءه وانتسابه للإسلام.
4- توعية المتربي بطبيعة علاقته مع الآخرين من حوله وتدريبه على الوفاء بمتطلباتها فـي ضوء مبادئ الإسلام وقيمه النبيلة.
5- تبصير المتربي بحقوقه وواجباته تجاه وطنه.
الأرض أرض الله ونحن مستخلفون فيها "وَإِذ قَالَ رَبُّكَ للمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرضِ خَلِيفَة". والحاكمية والولاء لله تعالى ولخط لأنبياء ع وللرسول محمد ص ولأهل البيت ع وللفقهاء في عصر الغيبة. "إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ، وَمَنْ يَتَوَلَّ اللهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللهِ هُمُ الْغَالِبُونَ".
حب الوطن يستلزم عمارته، "هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا".
الارتباط بالوطن أن يكون قائما على عبادة الله تعالى. "يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ".
المواطنة الصالحة لا تتم إلا بالإصلاح في الأرض وعدم الإفساد فيه. "إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ".
مفارقة الأوطان من أصعب الأمور على الإنسان وهي من الابتلاءات :" وَلَو أنَّا كَتَبنَا عَلَيهِم أَن اقتُلوا أَنفُسَكُم أَو اخرُجُوا مِن دِيارِكُم مَا فَعَلُوه إِلَّا قَلِيلٌ مِنهُم"، إلا إذا لم يكن للإنسان نصيب في وطنه من مقومات الحياة من حرية العبادة والغنى والأمن الإمام علي (عليه السلام): "الغنى في الغربة وطن، والفقر في الوطن غربة". وعنه (عليه السلام): "ليس بلد بأحق بك من بلد، خير البلاد ما حملك". وعن رسول الله (صلى الله عليه وآله): "لاخير في الوطن إلا مع الأمن والسرور".
الهويّة الوطنية لا تتعارض مع الهويّة الإسلاميّة والإيمانيّة والانسانية (فهي هويات طولية وليست عرضية).
فلا تَعارُضَ الهوية السياسيّة بين انتمائها الوطني وانتمائها الديني من جهة، وبين انتمائها الوطني وانتمائها إلى أمّتها من جهة أخرى، فهي هوية منفتحة على أبعادها المتنوعة من وطنيّة وقوميّة وإسلاميّة وإنسانيّة.
اعتماد مبدأ لا إكراه في الدين، وحرية التفكير في البحث عن الحقائق الدينية في احترام حقوق الآخرين.
حفظ الإنسان، وصيانة الكرامة الإنسانية.
إنّ إقامة العلاقات الاجتماعية بين المكونات المختلفة، وشرائح المجتمع المتعددة، على قاعدتي الأخوة الإيمانية والنظائرية في الخلقة. حيث يقول الإمام علي (عليه السلام): "فإنهم (الناس) صنفان: إما أخٍ لك في الدين وإما نظير لك في الخلق".
تحمل المسؤولية الاجتماعية والمشاركة في إصلاح المجتمع.
التوازن بين الاهتمامات الوطنية والقضايا الإنسانية حيث ينبغي للمتربي أن يتوازن في اهتماماته المحلية الوطنية تحديداً إلى جانب اهتمامه بأداء حق الرسالة الإلهية في نصرة المستضعفين "وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ نَصِيرًا".
الانطلاق من مبادئ الحقّ والعدالة والحريّة كقيم إنسانية الثابتة للتربية الوطنية في ضوء النظام المعياري الإسلامي.
تعزيز مبدأ التكافل الاجتماعي بين مختلف أفراد المجتمع ومؤسساته، لأجل التكامل الداخلي للمجتمع. حيث تُعتبر العدالة الاجتماعية القيمة الأهم في حركة المجتمع نحو تحقيق مراتب الحياة الطيّبة.
تعزيز الأمن الاجتماعي بكافة أبعاده باعتباره مظهرًا رئيسًا للحياة الطيّبة، فالأمن الاجتماعي يعبر عن حالة الاطمئنان التي يشعر بها أبناء المجتمع، والناتجة عن مساهمة المؤسسات المختلفة، في تفعيل جميع الطرق والأساليب، والإمكانيات، والممارسات التي تحقق للفرد الشعور بعدم الخوف في حاضره ومستقبله، وتسعى إلى حمايته، وتقويته على المستويات المتعددة: الدينية، والفكرية، والثقافية، والنفسية، والعقلية، والاقتصادية، والأمنية، والصحية، والبيئية، ...إلخ، وتحفظ للإنسان مكانته اللائقة في المجتمع، وتتيح له المشاركة الإيجابية.
اعتبار المصلحة العامّة هي مصلحة الفرد نفسه، وأولويّة تقديم المصلحة العامّة على المصلحة الشخصيّة عند تعارضهما.
وأخيرًا فالتربية الوطنية الإسلامية القويمة توفّق بين البعد الفردي والبعد الاجتماعي كأصل أخلاقي، بغض النظر عن الظروف والمتغيرات، فهي تربية تقوم على الإيثار واستحضار قيم التضامن والتعاون، واستنفار المشاعر الوطنيّة أو القوميّة أو الإنسانيّة الجامعة في مواجهة مختلف التهديدات الخارجية (سواء أكانت عسكرية أم ثقافية أم اقتصادية وغيرها).
ملاحظة: قبل نحو خمس سنوات تقريبًا، ذهبتُ إلى كتاب التربية المدنية، وبالتحديد إلى كتب صف العاشر والحادي عشر والثاني عشر، وقرأتُها قراءةً مقارنةً مع ثقافة المجتمع المشرقي، والمجتمع الإسلامي على الأقل. وقد تناولتُ في هذه القراءة ثلاثة كتب، وخرجتُ بخلاصةٍ في دراسةٍ كانت في حدود سبع أو ثماني صفحات. وقد ركزتُ فيها على الصور والمضمون والكلمات الواردة في هذه الكتب. وخلاصة ما توصلتُ إليه أنني لا أعرف كيف استطاع كتاب التربية المدنية أن يصل من وزارة التربية إلى المدارس من دون وجود سياقٍ واضحٍ يراقب مضمونه. فهذا الكتاب، في كثيرٍ من مضامينه، مغايرٌ ـ إن لم نقل مناقضًا ـ لثقافة المجتمع الإسلامي، بل إنه في بعض جوانبه مغايرٌ أيضًا للثقافة اللبنانية نفسها.
تعليقات